يدّعون الحضارة
وتنحر برابرتهم طائر الفنيق
خطفت روحي مشاهد مئات من الفنانين الصينيين وهم يقدمون أعظم عرض فني مسرحي بمناسبة عيد رأس السنة. حيث سُخرت التقنيات الفنية لتجعل من الخيال واقعاً محسوساً وملموساً. و وحّد التوق إلى الخلق والإبداع قلوب مئات من الفنانين والمخرجين والمؤلفين والراقصين والفنيين. و أطل إله الخلق من قدس أقداسه وتجلى بعظمة الواحد في الكل.
لقد أراد الصينيون تبليغ العالم بأسره رسالة كونية مفادها, أيها العالم إن حضارتي لا تزال كامنة في دماء أولادي وأحفادي مهما اعتراها من ضعف ومرض نتيجة هيمنة الإقطاع السياسي والزراعي على مقدرات شعبي, لأن الفساد هو المحرض الدائم لتجدد الحضارات وإعادة انبعاثها و تخليقها.
تبلغت تلك الرسالة بكل فرح وأدركت أن للحضارة الإنسانية مخزونات ومكامن تتسلل عبر مورثات وصبغيات الكائن البشري, وتعيد انبعاث وتخليق ذاتها بشكل متجدد, مستوعبة متغيرات الزمن.
وهنا سرعان ما استدركت وقلت في نفسي: إذا كان المخزون الحضاري للبشرية لازال يتمادى ويسفر عن نفسه حين بعد حين, فمتى يعود انبعاث الحضارة العربية التي لازالت تغفوا منذ زمن طويل تحت نفايات التبعية والفساد؟.
وشاءت الحضارة العربية أن تصغي لما دار في قلبي وأن تسارع لإجابتي بصورة صارخة, وجعلت مئات من الأطفال يندفعون حولي راجين مني منحهم فرصة للوقوف على المسرح ومشاركة فرقة صوفيا للفنون المسرحية في عروضها.
كانوا يصرخون ويتدافعون كما يتدافع الجياع طلباً لرغيف الخبز حتى اسقط تدافعهم هذا بعضهم على الأرض وكادوا أن يؤذوا أنفسهم.
هنا أدركت صوت مكنوننا الحضاري الخفي وهو يخاطبني, بأني لازلت موجوداً وحياً بالرغم ممن حاول تشويهي وقتلي. وإن أطفالي لابد أن يدافعوا عن أرواحهم ويعيدون للحضارة الإنسانية وجهها المشرق.
حاولت مد يد العون لإنعاش أرواح مئات من الأطفال الأبرياء’ لكن أبت روح الجهل المتسلطة منح تلك الأرواح التائقة للحياة, فسحة من الأمل. وأغلقت المسارح في وجوههم.
وأي سد يمكنه أن يقف أمام توق الحياة للوجود, فقد أجبرتنا روح الطفولة وإلحاحهم واستجدائهم لنا لتدريبهم في الأحراش والسدود والمدرجات تحت البرد والعواصف وبالأجواء الحارة أيضاً, وهناك انحنت وسجدت الأفاعي والعقارب لهامات أولئك الأبطال الميامين, وصاحت الذئاب والوحوش وسجدت لتلك الروح المتجلية في أرادة أرواح أبطال الحياة.
وبعد تقبيل الأيادي واستجداء واستعطاف المسؤولين حصل الأطفال على موافقة للوقوف على خشبة المسرح للتدريب وتأدية عرضين متتاليين في اليوم الواحد قابلة للتمديد..
كان الهدف من تلك الموافقة تعجيز الأطفال وإفشالهم إذ لا يمكن للطفل أن يتدرب على استخدام الفراغ المسرحي مع الإضاءة والمؤثرات الصوتية وتأدية عرضين في يوم واحد.
أدرك الطفل بعمق روحه أبعاد المؤامرة, ووقف للمرة الأولى على المسرح متحدياً. وكانت روح الحضارة تستصرخه من الداخل, واستيقظت أرواح الأجداد في أعماقه ودفعته لتحقيق المعجزة, حيث وقف الطفل لأول مرة على المسرح في حياته ولمدة ثمانية ساعات دون أن يشعر بالخوف أو التعب أو الجوع أو العطش, حيث أطلت أرواح المجاهدين من موقعة الكفر والمزرعة والمسيفرة لتمنح الأطفال المزيد من القوة ورباطة الجأش. وراح المشاهدون يتابعون العروض وهم يتساءلون: كيف تفجرت تلك المواهب ونحن لازلنا نجهلها وهي تعيش بين ظهرانينا؟.
أين تلك الحبال والخيوط التي تحرك أكثر من مئة وخمسين طفلاً يقفون على المسرح للمرة الأولى؟.
منذا الذي حرك هذه المخزونات والمكنونات الغافية في نفوسنا؟.
وبدل من أن يسارع المسؤولون لتقبيل الأطفال الذين قدموا أعظم المعجزات, فاجأوهم بقرار إيقافهم عن العمل بحجة أن الأطفال غير محترفون فنياً وغير مسجلون نقابياً, وأن المسرحية مأخوذة عن مسرحية الشخص للرحابنة المشكوك بعطائهم التربوي والسياسي.
توجهنا إلى مديريات وزارة الثقافة وإلى نقابة الفنانين وإلى الكليات الجامعية المعنية بالتربية وإلى العديد من التلفزيونات من أجل تقييم العمل فنياً وتربوياً, وقد حصلنا على موافقات وتقديرات من جميع الجهات, وزودنا السيد وزير الثقافة بكتاب من أجل استخدام مسرح التربية بالسويداء للتدريب والعرض كون مسرح المركز الثقافي محروقاً أو غير جاهزاً.
وهنا أصيبت روح الهمجية والتسلط بضربة مخزية فما كان منهم إلا أن يرسلوا زبانيتهم ويلطجيتهم إلى المسرح لضرب وإرهاب وترويع الأطفال, ودوسهم تحت النعال كالصراصير وإلقائهم من خشبة المسرح إلى الصالة كالفراخ في المسلخ.
استدعت الفرقة رجال الأمن وحركت الدعوة بحق المعتدين. وهنا ثارت حفيظة المتسلطين, إذ أن الدعوة قد حركت بحق أحذية مغطاة بحصانة "غير علنية"!!!!.
ربما نكون قد فوجئنا من تلك الهجمة البربرية المتوحشة على الطفولة, لكن من يستنطق التاريخ يدرك أن نزعة التسلط التي سادت لدى إنسان الغاب البدائي, قد سيطرت عليه لمراحل تاريخية طويلة, حيث شرعت فيه الغزو وسلب الآخر لممتلكاته بحجة مشروعية صراع البقاء.
المؤلم حقاً أننا أصبحنا ندعي الحضارة ونغتال أحلام الطفولة, ندعي الحضارة ونقتل كل تاريخ مشرق في ماضينا, ندعي الحضارة ونغتال كل تجديد وإبداع من شأنه تحريك مياهنا الساكنة الآسنة, التي راحت تقتل حاضرنا وماضينا.
في الشرق الأقصى يبث الجميع الروح في تنينهم الحضاري كي يعود من جديد ويبسط وجوده على العالم, وفي شرقنا البائس تسعى أيدي الفساد لاغتيال أي محاولة لعودة الروح إلى طائر الفنيق, كي لا يستيقظ من رماد جهلنا ويعيد لأطفالنا فرحهم بانتمائهم لوطنهم وجذورهم الإنسانية النبيلة.
.![]()
الحقوق محفوظة شمس الحقيقة غسان بركات 296156 16 00963
للاتصال Email : barakat@sunoftruth.com