شاهد عيان .....

  وئام مسعود ..

 قال جبران :

ألا فأبعدوني عن الحكمة التي لا تُبكي...

و عن الفلسفة التي لا تُضحك ...

وعن العظمة التي لا تحني رأسها أمام الأطفال .

...... حكمتهم تُبكي .. وفلسفتهم تُضحك .... و عظمتهم تحني رأسها أمام الأطفال .

إنهم فرقة  " صوفيا "  للفنون المسرحية .

تراهم يبسمون هازئين في غمرة الخطب الكريه ، و إذا و قف في وجههم حاسد أو جاهل رقوا ...

 و سامحوه .... كالورد ينفح بالشذى حتى أنوف سارقيه ..

عندما يكون الإيمان بالعمل إيمانا ً مطلقا ً فإنَّ الله يفتح أمامه سُبل النجاح . و لأنهم مؤمنون أشد

الإيمان بعملهم و رسالتهم فإنَّ النجاح رفيق دربهم . فهم من نظر الأعمى إلى مسرحهم و أسمعت كلماتهم من به صمم .

أطفال من ذوي الحاجات الخاصة ، أطفال صمٌّ تراهم هناك يسمعون و يتكلمون و يمثلون و يغنون

ويتفاعلون بفرح على خشبة ذاك المسرح الذي بدا ليس ككل المسارح ... بدا حديقة غناء ، بذورها

 من جنان الخلود ، تجلت فيها الإنسانية بأسمى معانيها يبحثون عن الإنسان في كل مكان و في كل زمان و لا يهمهم العنوان ......

 يكرمون الإنسان من أجل الإنسانية فيه .

 الإنسانية هذه الكلمة التي ربما أغفلها الكثيرون من قاموسهم و حجبتهم عنها بهرجة الدنيا و أطماعها

فنسوا الإنسان فيهم ... أهملوه ، ركنوه ، وضعوه جانبا ً .. ثم أبعدوه ... فبات الإنسان بلا إنسان ..

 مات الإنسان في الإنسان ....و لكنه عندهم حيٌّ لم يمت ... أحيوه و حيّوه و بالحكمة مجدوه ...

إنسان الحكمة اليوم موجود ..إنسان المحبة موجود و من أجله نذروا نفوسهم .. إنهم الإنسانيون

 في فرقة  " صوفيا " ...

المؤمنون أنّ من يهاب صعود الجبال يبقى طوال العمر بين الحفر .. فهم لا يأبهون صعوبة الوصول

همهم الوحيد أن يصلوا إلى الإنسانية في الإنسان ...

اتخذوا المسرح لهم عرشا ً ... زينوه بأطفال مثل أكمام الزهور .....

الثقة والمحبة و الموهبة تعرفهم ، والفرح يفرّ ُ من العيون ....

أقوال عظيمة يتفوهون بها ...و أفكار أعظم يقدمونها ...

 وقد قصد ( الإنسان : غسان بركات ) ... " و أسمى الألقاب إنسان " رئيس  فرقة صوفيا .

قصد أن يقدم الفكرة على لسان الأطفال لإيصالها إلى الكبار ... ربما لأنّ الكبار عندما يتلقون

التوجيه أو النقد من الصغار يكون ذلك أكثر و قعا ً و أعمق تأثيرا ً و ربما يشعر الكبار بالخجل

 أيضا ً عندما يوجههم الصغار ..

 و أي صغار  ؟؟؟ لقد أصبحوا حكماء ... أصبحوا قادة يتحملون المسؤولية .. و يشعرون بها

 بعد أن و قفوا على مسرح صوفيا ....

 كم كان رائعا ً ذاك الطفل أثناء العرض .. حين كان متقنا ً لدوره و واعيا ً لما يحصل حوله ..

 فقد صدم زميله و كان طويل القامة " لاقط الصوت " بيده فأخذ اللاقط يروح و يجيء ..

 " لافتا ً نظر الجمهور " و بثقة  متناهية و بدون أيِّ إشارة أو توجيه بل بالشعور بالمسؤولية

و بالغيرية ليس فقط عن نفسه إنما عمن حوله أيضا ً و بحركة متقنة و عفوية رفع يده و أوقف

 اللاقط  .... و أعاد أنظار الجمهور إليه و رفاقه ...

إذ تصل هذه الفرقة بمستوى أطفالها إلى هذا الحدِّ من الشعور بالمسؤولية و حسن التصرف

و التسيير الذاتي فهذا حقا ً جدير ٌ بالوقوف عنده شاكرين و فخورين بما وصلت إليه فرقة صوفيا

بأطفالنا ........

 

 وبعد .....

هناك أربع فتيات بعمر الزهور كانت والدتهن تشكو من خجلهن الشديد و انطوائهن و فقدان

الهوايات عندهن ... ولكن ... و عندما أخذت فرقة صوفيا بيدهم و دفعتهم نحو المغامرة بالصعود

 إلى خشبة المسرح و مواجهة الأضواء الساطعة من كل الجهات و العدد الهائل من الجمهور

 أمامهم ليقفن أمام كل هذا و ذاك و قد تغلبن على خجلهم و ابتعدن عن الرتابة و الملل في معظم

الأوقات .. وقد أصبحت الفتيات  زهرات برية شامخات شموخ جبالنا الشماء ...

و بعد ....

لم يكن تأثير " صوفيا " على الأطفال المشاركين في الفرقة فقط و إنما على أطفالنا في المدارس

إذ بلفتة ٍ كريمة من الفرقة قامت بتكريم التلاميذ المتفوقين في المدارس بجوائز قيمة و حضور

عرض مسرحي ممتع .... و هذا ما آثار المنافسة و الإقدام على الاجتهاد و المثابرة من التلاميذ لتحصيل علامات عالية و نيل التكريم من الفرقة كما ذكرت الآنسة  " هيفاء الخوري " مديرة

مدرسة " سبأ " قائلة : ـ من أجل ربع علامة فقط ذرفت الدموع مدرارا ً في مدارستنا ! خوفا ً

من أنّ خسارة ربع علامة تكون خسارة لتكريم " صوفيا " ....!

   

   وبعد ....

    صورة الأطفال منذ عهود يتزاحمون و يتدافعون على باب ( الفرن ) للحصول  على الخبز ...

   الغذاء الأساسي من أجل العيش ... يعيد أطفالنا تلك  الصورة اليوم بأبعاد ٍ مختلفة كل البعد

  و بألوان جديدة .... إنهم يتزاحمون  و يتدافعون من سيعتلي خشبة المسرح ! للحصول على

  غذاء ٍ للروح ...... محتجين على من يمنعهم أو يبعدهم و كأن عيونهم أرادت أن تصرخ

   و تقول  :   (   ليس  بالخبز وحده يحيا الإنسان ..... ) .

   فطوبى لهؤلاء الأطفال و قد أدركوا بعقولهم حضارة صوفيا .

    ...حفظوا ذاك الطيف الذي  ما أن لمحوه دخل المدرسة حتى أفزعوا    (( بائعة الحلوى ))  في المدرسة :" إلى أين يركض هؤلاء ؟؟؟؟   ماذا حصل لهم ؟؟؟؟  هل من بائعة أخرى غيري ... ؟؟؟ "

     و الكرة .... مسكينة تلك الكرة التي طالما أفرحتهم و لعبت معهم ... سريعا ً ما رموها

    دون أن يلتفتوا إلى أين يرمون بها ..... !!

    والمعلمة المناوبة تجهد نفسها في النداء و ليس من مجيب ...!!

    تركوا كل شيء ....و ركضوا باتجاهه يسألون و يتساءلون و إلى مسرحه تواقون .....

   و من عقابه خائفون .... !!

    فطالما أتعبت تلك الطفلة الشقية والديها ... الثواب لا يقنعها ، والعقاب لا يخيفها ....

   أصبحت اليوم تعدل عن الخطأ و تحاول أن تكون مطيعة لوالديها ... فقط كي لا يخبراه و يعاقبها

   أو يغضب منها ...

  وبعد ....

  و الأبعد من ذلك  " أطفال الرعاية " في مدرسة  " عادل حاتم " فقد كان المؤمن بالإنسانية

  الإنسان " غسان بركات " يؤمن بأن  " أطفال الرعاية " يستحقون الاهتمام و التكريم حتى لو

 كان مستواهم الدراسي ضعيفا ً كما أخبروه ....

 فاستمرت  صوفيا في إعداد حفل ٍ لتكريمهم و قد صعد هؤلاء الأطفال المسرح و فرحوا و غنوا

 و كرِّموا وهم كثيرا ً ما حرموا .... ليزرع هذا التكريم الثقة بأنفسهم ، و يشعرهم بالاهتمام

 و تكريم الإنسانية فيهم  فنبتت فيهم زهورا ً كانت بذورها قد طمرت بالظلمة ..و أصبحوا يهتمون

 بدروسهم و قد تحسن مستواهم الدراسي ...و هذا ما كانت تطمح له  صوفيا و تهدف إليه لأن

حضارتها تقرأ بالعقول و الأبصار و لا تقرأ بالعيون ....

 

  وبعد ....

  طفلة متفوقة في كافة المواد إلا مادة  " التعبير " و التعبير ليس مجرد مادة دراسية فقط ...

   إنما هو تصوير أي شيء و إيضاحه و إبداء الرأي فيه ...و التعبير عن شيء هو إعطاء

   ذلك الشيء وجود ، وجعله حقيقة ...

  فكيف بطفلة متفوقة مثلا ً في الرياضيات و الإملاء .... لا تجيد التعبير و الإيضاح عما تريد

  أو لا تريد ؟ عما تحب أو  تكره  ؟

  و لكن الذي اتضح بعد ذلك أنّ  هذه الطفلة تجيد التعبير و تفصح فيه أيضا ً ... كمياه النبع التي

تكمن في أعماق الأرض و تحتاج من يفجرها و يستخرجها فتخرج سائغة و عذبة ...

 و هكذا هو التعبير عند تلك الطفلة خامد إلى أن تخاطبه حكمة و تناديه محبة ... حتى ينبجس

 فكرا ً قويا ً و تعبيرا ً بليغا ً ... فجاءت " صوفيا "  بحكمة و محبة و أيقظت تلك القدرات

 الكامنة كما توقظ حبات المطر البذور الغافية في أعماق الأرض ...

 و هكذا قالت والدة الطفلة  : " إنها تفاجئني بتلك الكتابات و تدهشني بذاك التعبير فأين كانت

          تخبئ كل هذا  ! ؟ " 

 وبعد ....

 ومن قدرات غافية أيقظتها  " صوفيا  "  إلى تأملات ٍ يقظة و عيون مفتوحة حتى الصباح ....!!

  لم تنم تلك الطفلة الصغيرة ....و غدا ً حفل التكريم .....

  ظلت عيون أمها عليها ترقبها .... و هي عيونها على  " صوفيا " ترقب بزوغ شمسها ....

  و موعد التكريم .....

و بعد ....

و الأكثر طرافة من ذلك ...( الأحلام ... ) نعم الأحلام .... أحلام أطفالنا بعد مشاهدتهم عرض فرقة

صوفيا ليست ككل الأحلام .. نام الأطفال بعين واحدة و كأنّ العين الثانية بقيت مفتوحة تستعيد

بقايا صور من ... مسرح صوفيا .

و لكن لا غالب على النوم فالطفل ... " رواد " ذو الثمان سنوات  ...و بعد أن غلبه النوم و نام ملء

جفونه ... بدأ ينادي و يستعجل والدته ... (( بسرعة يا أمي ..... بسرعة سيبدأ العرض ))

...و هكذا دخلت فرقة صوفيا قلوب أطفالنا ، و خاطبت عقولهم و ناجت أرواحهم

    و هدهدت أحلامهم أيضا ً ......!            

.

الحقوق محفوظة   شمس الحقيقة    غسان بركات   296156  16  00963 

 للاتصال  Email : barakat@sunoftruth.com  

الصفحة الرئيسية     الدليل