حضارة أولاد الحلال

(( الطفل روح قدسية تمر في حال الطفولة.......أعبد الله في الإنسان ...... أسعد الله في مخلوقاته...)) هذه الحكم الروحية العظيمة أعطت فرقة صوفيا للفنون المسرحية الدافع الكبير للمضي قدماً في خدماتها الإنسانية والاجتماعية في محافظة السويداء, كفرقة غير مأجورة, وصاحبة لمشروع إنساني شامل.

دخلت الفرقة حياة الأطفال الأيتام والمشردين فأطلقتهم نجوماً على المسرح وبددت من حياتهم شعور البؤس والكآبة, وحاولت دمجهم في مجتمعهم الأم.

 وكذلك استطاعت أن تدخل حياة الصم والبكم , فبددت نظرة الهزيمة والانكسار من عيونهم, وأطلقتهم على المسرح كنجوم تتمتع بالذكاء وبقدرة  على العطاء أسوة بجميع الأسوياء.

 وكذلك دخلت الفرقة حياة المعاقين عقلياً, فهدمت جدران الوحدة والعزلة التي كانت تدفنهم جميعاً أحياءً, فأطلقتهم على المسرح كشعلة تفيض بحب الناس وحب الحياة, وجعلتهم يقولون: نحن ندرك تماماً ما يحيق بنا جميعاً, لكن الإعاقة تمنعنا من  الكلام والتعبير, أما أنتم معشر الأسوياء فقد رضيتم على أنفسكم أن تدخلوا عالم الإعاقة بإرادتكم لتفقدوا حرية الإرادة والتعبير.

كذلك دخلت فرقة صوفيا عالم الطفولة من أوسع أبوابه, فكرمت خلال عامين أكثر من ألف وثلاث مئة طفلاً متفوقاً دراسياً, وجعلتهم نجوم على المسرح حيث غنوا ورقصوا وأنشدوا:

إنسان الحكمة ما بيموت              إنسان الحكمة رح يرجع

أيام الظلمة رح بتفوت                 إنسان الحكمة ما بيركع

 

أيضاً غنوا صارخين في وجه الظلم:

عيشتنا عيشة بقر           كفرتونا بالقدر

وصرخوا على المسرح قائلين:

لا للتدجين الذي يستخدم الروتين اسلوباً لإذلال الشعوب بهدف إخصائها واستحمارها

وصرخ ابن الخمس سنوات قائلاً:

الاستعمار والاستبداد وجهان لعملة واحدة, وكلاهما أسوأ من بعضهما البعض.

ومن ناحية ثانية أصبح تكريم الأطفال المتفوقين من قبل فرقة صوفيا, امتيازاً جعل الطفل يبذل كل ما عنده من أجل التفوق. وكذلك تدافع الأطفال إلى مسرح فرقة صوفيا كما يتدافع الجياع طلباً لرغيف الخبز.

وأمام هذا الإنجاز العظيم, راح عناصر الفرقة يبذلون جهدهم وعرقهم ومالهم من أجل إسعاد الطفل ومحاولين إنعاش العمل الإنساني الذي تستهدفه حياة الأنانية والذرائعية - سمة هذا الزمن.

 ولأول مرة في تاريخ محافظة السويداء – التي تفتقر للسينما والمسرح- يستمر عرض مسرحي لمدة أربعة أشهر, حيث وجد الطفل لنفسه المتنفس الحقيقي ليحضر المسرح ويغني ويرقص ويمثل, ولأول مرة أيضاً يشعر الطفل بأنه ليس رقماً أو أداة تلقي فقط,, بل أصبح بإمكان الطفل أن يأتي المسرح حاملاً هويته الإنسانية, قادراً على التعبير عما يدور بداخله من هواجس وخوف من المستقبل, الذي يخفي في طياته صراعات مادية وعرقية وطائفية.

 وكأول فرصة فتحتها فرقة صوفيا للأطفال للتعبير عن الموضوعات الإنسانية التي تشغل قلوبهم, جاء الأطفال إلى المسرح ليستصرخوا ضمائر الكبار: أوقفوا تشرد وعمالة الأطفال كي لا تصبح للطفولة سوق نخاسة دولية.

لم يأت الطفل إلى مسرح صوفيا كمشاهد وممثل,  بل جاء كمؤلف ومشارك في الإخراج أيضاً. ورغبة من الفرقة في إفساح المجال لأكبر عدد من الأطفال في تفريغ مكنوناتهم النفسية على المسرح, فقد قبلت المغامرة بمشاركة مئة وعشرين طفلاً  معظمهم لا تتجاوز أعمارهم الثمان سنوات في عرضها المسرحي.

جاء الأطفال إلى المسرح بكل براءتهم و طيبتهم وعفويتهم ليجسدوا أقسى حالات البؤس الإنساني. حيث جاءت طفلة تلف لعبتها كالرضيع وافترشت أرض المسرح ونامت محتضنة لعبتها كما تحتضن الأم ولدها. وكان المشهد مؤثراً شديد التأثر حيث سألناها: من أين أتيت بهذا المشهد؟. أجابت: لقد شاهدته في أحد الشوارع!!.

وبدأت لعبتنا المسرحية وراح كل طفل يجسد الشخصية التي التقطها من البيئة, طفل: صاح مالبورو... مالبورو. وآخر صاح ياناصيب وآخر : كياس نايلو....عرانيس....علوك....سيف السعدان.....

نعم لأول مرّة أصبح للأطفال عيون ترصد ما يدور حولها من مشاكل إنسانية واجتماعية, وأحس الطفل بوجود واجب حقيقي نحوا الإنسان والمجتمع.

بالرغم من مواضيع البؤس التي نأسف لتفتح الطفولة على معالجتها, إلا أن فرح الأطفال بقدومهم إلى المسرح يفتق ذهن البالغ حول متناقضات الحياة.

لقد شاهدنا الطفل يسير بفرح في طريقه إلى المسرح حتى يكاد يمشي فوق الأرض, وكانت نظرة الدهشة والابتهاج ظاهرة على محياه عند دخوله المسرح. طفلة قالت أنا أصبحت أحب المسرح أكثر من محبتي لبيتي . طفلة أخرى قالت: لقد بدأت أعبد أرض المسرح.

ما هو مدهش حقاً أننا كلما طلبنا من الأطفال إعادة المشهد ولو للمرة العاشرة استقبلوا الأمر بالهتاف والفرح, وأحياناً يطلبون إعادة المشهد من تلقاء أنفسهم, كون مسرح فرقة صوفيا يقدم المسرح الإنساني بطريقة لعب الأطفال, فالطفل في مسرح صوفيا لا يمثل بل يلعب, ويبدع العاباً تفتق الوعي الكامن في أعماق النفس البشرية, ليظهر جمال الكينونة خلف كل أعراض البؤس.

أمام هذا النجاح وأمام هذا الانتصار الذي حققته فرقة صوفيا, جاء الحاسدون وضيقوا الأفق, لاغتيال هذا النصر الإنساني الذي يستحق أن يفاخر به أبناء الإنسانية جمعاء. وكأول خطوة بطولية تم اختيارها لاغتيال الفرحة من نفس أكثر من مئة وعشرين طفلاً معظمهم بين سن السبعة والثمانية سنوات, الذين حضروا إلى مسرح التربية على مسؤولية ذويهم على أمل رجوعهم لاصطحابهم إلى بيوتهم. جاء الأمر بالاستيلاء على المسرح لصالح شخص قال عن نفسه أنه مدعوم من أصحاب القضاء والقدر, وأنه لا يعترف بقرار مدير المسرح المدرسي ولا بموافقة المحافظ التي لدينا!!!!!!.

قلنا له: لدينا أكثر من مئة وعشرين طفلاً صغيراً لايعرفون العودة إلى بيوتهم ولانأمن عليهم السير في الشوارع, خاصة والجو عاصف وبارد.

أجاب : مصلحتي أهم منهم!!!!. وراح يهدد ويتوعد!!!!.

أجل يحق له أن يهدد ويتوعد كونه مدعوم!!. وهؤلاء الأطفال  إما لقطاء أو مرتزقة أو يتبعون إلى دولة معادية واجبه ممارسة بطولته في الثأر  منهم!!!.

وهكذا وبجرأة بطولية تم تشريد أكثر من مئة وعشرين طفلاً برئً في جو عاصف وماطر, جاؤوا ليستصرخوا ضمائر الكبار أن أوقفوا تشريد واستغلال الأطفال. لا لسبب بل رغبة لذلك المدعوم بزيادة كومة الجوائز والميداليات التي لديه والتي تفوق ثمنها الطفولة والإنسانية ذاتها.

وهكذا تم تشريد الأطفال, أما المشرٍّدون الأبطال فهم حتماً...... أولاد حلال!!!!.

إنها ليست الحادثة الوحيدة التي يتعرض لها الأطفال الأبرياء في مسرح فرقة صوفيا. فقبل البدء بعرضنا المسرحي بنصف ساعة دخل المسرح حوالي عشرين طبيب أسنان ولديهم موافقة لاستخدام المسرح لإجراء عملية الانتخابات النقابية في نفس موعد موافقة عرضنا. وبالرغم من أن النقابة لا تتحمل مسؤولية هذا الفعل. إلا أن أكثر من خمسمائة طفل قد تم احتجازهم في الشارع وتم تعريض حياتهم للخطر فداءً لنتائج الانتخابات التي لم تجد لها مكاناً يسعها سوى مسرح الأطفال. وبعد أن حمّلنا المسئولين عن المسرح كامل العواقب, تم فتح باب بهو المسرح للأطفال الذين هربوا من الشارع ليتدافعوا في البهوا والأدراج, وليبدأ البكاء والصراخ والشتائم للمسرح الذي بني ليكون لصالح الأطفال وليس الانتخابات.

أما لماذا فعلوا ما فعلوه؟؟؟ فحتماً لأنهم أولاد حلال!!.

المهزلة الكبرى هي المكافئة التي تلقتها الفرقة من ؟؟؟ لما قدمت الفرقة من دعم مالي وإعلامي للجمعيات الخيرية التي تضاعف عددها في محافظة السويداء خلال عام عدة مرات بصورة مذهلة, فقد قدمت الفرقة خلال عامين ثمانية وعشرين عرضاً وكرمت ألف وثلاثمائة طالب متفوق بمجموع خدمات تقدر بأكثر من  مليوني ليرة, بشكل مجاني وعاد ريعه المتواضع للجمعيات الخيرية,  بسبب إعادة معظم البطاقات دون أن تباع, ولأسباب واهية وغير مقنعة, ولم يتوقفوا أولاد الحلال عند هذا الحد, بل طلبوا من الفرقة, تسخير أكبر عدد ممكن من الأخصائيين والأكادميين في أعمالها, وكأنهم يفاخرون بالدعم المعنوي والمالي الذي يقدموه للمسرح. والمقصود طبعاً هوا زيادة النكبات المالية للفرق المسرحية الغير مأجورة, كي تزاح من الوجود, غير مبالين طبعاً بالخدمات الإنسانية والاجتماعية. أما لماذا يحاولون اغتيال هذا النصر الذي حققته فرقة صوفيا؟؟؟ فحتماً لأنهم أولاد حلال!!!.

الأنكى من ذلك استخدام العبارات التي تعلموها اكاديمياً لقتل كل ما هو جميل في حياتنا. لدرجة أن الإنسان أصبح يتقيأ من كل تعبير يستخدموه مهما كان جميلاً وراقياً, وما أصعب أن يتم اغتيال اللغة الإنسانية عبر اغتيال الإبداع.

لقد تصدت فرقة صوفيا في أحد عروضه المسرحية لفكرة حيونة الإنسان التي دأبت جميع قوى الشر في العالم - ابتداءً من أمريكا والصهيونية ووصولاً إلى جميع قوى الفساد والإفساد المتفشية في معظم المجتمعات البشرية – ممارستها بحق الإنسان المستضعف في جميع أصقاع الأرض. ومشروع حيونة الإنسان يبدأ من غسل دماغه وتعليب أفكاره و إخصاءه وتدجينه و استحماره, ووصولاً إلى تدمير فنه وإبداعه. وماذا عسى أن يعبر عن هذا المشروع إلا بمفرداته؟؟.

ومن ناحية أخرى إن كلمة صوفيا تعني الحكمة, فكيف نستطيع تعليم الحكمة إلا عبر التعرض للحالات المزرية التي تحيق بمستقبل البشرية الآيلة للسقوط؟؟.

وهنا جاء نقد الفطاحل الأكادميين: إنكم تستخدمون كلاماً لا يتماشى وتربية الطفل!!. الأنكى من ذلك أن هؤلاء الفطاحل قدموا عروضاً مسرحية فاشلة, قدموا فيها الإباحية الجنسية من نصوص مجترة للمرة الألف, ودون رقيب ولا حسيب.

نعم إنهم يحاولون اغتيال حلم الطفولة البريئة التي تحاول جاهدة إنقاذ نفسها من السقوط المزري الذي ينتظر الكائن البشري.

أما لماذا يحاولون اغتيال هذا الحلم ؟؟. فحتماً لأنهم أولاد حلال!!!!!!

.

الحقوق محفوظة   شمس الحقيقة    غسان بركات   296156  16  00963 

 للاتصال  Email : barakat@sunoftruth.com  

الصفحة الرئيسية     الدليل