براءة نعيم وصوفيا
بداية الطريق
اصطحبتني صديقة لي لحضور الحفلة التي ستشارك فيها ابنتها الصماء, قبلت دعوتها , وكانت هي المرة الأولى والتي تعرفت من خلالها على فرقة صوفيا ..
وهناك وجدت الأشياء مختلفة وبعيدة عن التسلسلية التي ينتهجها البعض على خشبات المسارح.. هناك رأيت أسرة غير عادية .. أسرة كبيرة وقد جلست أم تحتضن فتيات صغيرات عرفت فيما بعد أنهن يتيمات .. وما عرفته أيضا أنها هي كذلك خارج المسرح .. فقد كانت الأم تمارس دور الأمومة الحقيقية للأيتام بصدق وأمانة.
وفي صدر المسرح جلس الطلاب صبيانا وبنات وكانوا جميعهم من معهد الصم , وعلى الجهة الأخرى تجمع عدد ليس بقليل من الطلاب والطالبات المتفوقين تتوسطهم معلمة تستخدم لغة الإشارة فيما بينهم, شعرت فعلا بوجود أسرة مصممة من روح الإنسانية.
أسرة لم يولد أفرادها عبثا , ولم يتجمعوا من فراغ الحياة تلك الحياة التي باتت كمن ينفخ في قربة مثقوبة. إنما من جمع هذه الأسرة هي الحاجات المتعددة التي فرضتها زخرفة العصر وأبعدت الناس عن روح التواصل وخصوصا الناس الذين هم بأمس الحاجة للتواصل والتآلف والاندماج بالمجتمع, من هنا كان التعاون مع طلاب معهد الصم وذوي الاحتياجات الخاصة وأيضا المعاقين ذهنيا والذين أحسوا بشيء من كيانهم من خلال تواجدهم على خشبة المسرح وبالتالي تفاعلهم مع الجمهور الذي صفق لهم فِأشعرهم بوجودهم.
أعجبت جدا بهذا المشهد وهذه الأسرة وتمنيت لو كنت من أفرادها.
شعرت بأنني أنتمي بروحي إلى هذه الأسرة وإلى نسبها الإنساني , وبدأت أفتش عن الطرق التي ربما ستربطني بها, ولأني كنت مقتنعة تماما بمصداقيتهم وبهدفهم فقد نجحت بالوصول إليهم وبالوقوف بينهم ومعهم وبين أطفالهم الذين كانوا زهرات تفوح منها عطور البراءة وعبق العفوية, مثلما سيكونون يوما عمادا للمستقبل وأوتاده الرقيقة والقوية بآن واحد وليغرسوا جذور الإنسان الصلب في وجه التحديات الكثيرة التي تعترض مستقبله ونجاحه.
لذلك أرسيت أشرعتي على شواطئ إنسانيتهم ودنوت منهم بخبرتي الضئيلة حتى أصبحت جزءا منهم تربطنا أهداف إنسانية بحتة ..بعيدة عن التوجهات وعن الماديات الفانية 0
ثم تعرفت أكثر بذلك الإنسان الذي تحدث عنه الكثيرين واتهموه بالعمالة والتشويش وقالوا بأنه مدسوس من جهات مجهولة!! . ومنهم من اتهمه أيضا بزرع بذور الفوضى بين الصغار وبث أفكار التغيير واستبدال نمط الفكر السائد بأفكار لم يعهدها عصرنا الذي وجد في هذه الفرقة معاييرا ومقاسات لا تتناسب مع فكرهم المؤطر.
وأنا أوافقهم وأشاركهم رأيهم في اتهاماتهم له مع بعض الإضافه .
إن ذلك العميل الذي تحدثوا عنه هو فعلا كذلك إنما عميل لصالح الطفولة الحقيقية... للنوايا الحسنة... للإرشاد والتوعية... للتنوير والإشراق ... للعطاء بدون مقابل .
إن الجهات المجهولة التي كان يتعامل معها ما هي إلا جهات الطفل المجهول فعلا للكثير من المنظمات التي تعتبر نفسها مسؤولة عنه لكن كلاميا وضمن الشعارات والعناوين الطنانة فقط أما هو فقد قدم وقته وجهده وماله وتحمل الاتهامات مقابل زرع بذور الحكمة في بنية الطفل الغضة.
إن أفكار التغيير التي زين بها أعماله, ما كانت إلا محاولات بسيطة لمواجهة العولمة الشرسة التي غزت رؤوسنا ورؤوس أولادنا المنبهرين بكل غزو زخرفي يلوح في الأفق من شأنه إغفال الأجيال عن أحوال الوطن وهمومه وتشويه المستقبل بوجهها والقضاء على محاولات الارتقاء به.
وما تقوم به فرقة صوفيا هو توجيه طفلنا وإنارة دربه وإطلاعه على تحديات عصره من خلال المسرح بطريقة محببة ومشوقة لم يعهدها من قبل وتلك هي بذور الفوضى التي اتهموه بها.
أليس غريبا هذا الاتهام... أليس الأجدر أن نسميها بذور الحكمة بدلا من إلقاء الكلام جزافا؟.... أليس ضروريا توجيه ذهنية الطفل بشكل صحيح يخدم مستقبله ومجتمعه ووطنه ... وهل يعقل أن نرجم أيادي الخير بحجارة عمياء ربما نكتشف يوما أن تلك الحجارة كانت تصيبنا في صميم مبادئنا والأهداف التي نسعى لأجلها جميعا.
أطفال بعمر الورد يغرسون الأشجار
بالتعاون مع جمعية التنوع الحيوي وفرقة صوفيا ومعهد بلقيس انطلقت مجموعات من أطفال محافظة السويداء وبرفقة أهاليهم ومدرسيهم برحلة إلى منطقة سد السهوة حيث غرسوا هناك أكثر من ألف غرسة،.
وهناك تناثر الأطفال كزهرات تتفتح في الربيع فرحين بتوليهم شيئا من المسؤولية في المساعدة للحفاظ على البيئة وقانعين بأن ما يقومون به لا يقل بقيمته عن الأعمال التي تعنى بالمصلحة العامة وكانوا فرحين بأنهم يترجمون ويطبقون على أرض الواقع ما يسمعونه من ندوات وبرامج تتحدث عن تدهور الوضع الطبيعي للبيئة وعن ارتفاع درجة حرارة الكوكب وأن الإنسان الذي يخرب بيده اليمنى البيئة يلقى مخاطرها باليسرى.
وكان ملفتا للنظر الوعي الكامل عند هؤلاء الأطفال بشأن ما يقومون به. إذ قام أحد الأساتذة بسؤالهم عبر مكبرات الصوت عن هوية أشد الكائنات الحية خطورة على البيئة وقد أجابوا بصوت واحد ( الإنسان ). وانطلقوا يغرسون غراسهم بأناملهم الطرية والصغيرة متوحدين بقلوبهم مع التراب الذي حملت ذراته أمنياتهم في أن تنمو أشجارهم مع كل صباح.. أن تورق أغصانها مع ضوء كل فجر مندى بذهب الشمس .. الكثير منهم قال سأكبر أنا وشجرتي معا ولكني ربما سأسافر يوما لكن شجرتي ستبقى في الأرض تربطني بوطني وتنوب عني في الغناء له متمايلة مع النسمات.
مع كل غرسة كانت هناك دعوة بأن تلقى عناية من السماء فتروي عطشها، ودعوة لأهل الأرض بأن لا ينسوها فتموت جفافا وحرقا. دعوة بألا يقطعوها لتصبح وقودا وحطبا وأثاثا تتزين به غرف المنازل.
إحدى السيدات جاءت بولديها قائلة: بعد أيام سنعود إلى أميركا وقد سمعت عن قيامكم بهذا المشروع وأرجوا أن تأخذوا أولادي معكم ليغرسوا في وطنهم لعل هذه الأشجار تذكرهم بالعودة يوما وتكون رابطا حقيقيا بينهم وبين وطنهم.
أيها الأصدقاء ليس صعبا على كل الجهات المسؤولة والدوائر الزراعية أن تقوم بزرع الأراضي بالأشجار، لكن أن يكون الطفل هو من يفعل ذلك فإننا حينها لا نكون قد زرعنا أشجارا فقط ، بل قيما وثوابت تنمو وتتجذر في أجساد وضمير أبنائنا، الذين يغرسون حبهم العفوي في عمق الأرض والتراب. وبعد سنين سيكتشفون المعنى الحقيقي لعيد الشجرة، وسيكون احتفالهم واقعيا ومنطقيا وفعلا موجودا قاموا به منذ زمن ليس ببعيد. وسيدركون تماما ما تعنيه الإرشادات والإعلانات التي تتحدث عن الحفاظ على الشجرة وعدم قطعها وإهمالها وعن ضرورة العناية بها لأن هناك رابطا فعليا بينهما.
.![]()
الحقوق محفوظة شمس الحقيقة غسان بركات 296156 16 00963
للاتصال Email : barakat@sunoftruth.com