المسرح وأثره النفسي
على الطلاب الصم
الآنسة: هزار أبو فخر
مدربة لغة الإشارة والنطق
دخلت فرقة صوفيا للفنون المسرحية عالم الصم, لتجعل منهم نجوماً تتألق على المسرح, فكسرت حاجز الصّمت لديهم .... وأبعدتهم عن عالم الوحدة والعزلة, وغاصت في أعماقهم لتفتش عن كنوز شخصيّاتهم الدفينة ....!!
ونجحت !!!!.
هذا ما فعلته المشاركة الفعلية لطلابنا الصم في فعاليات المسرح مع فرقة صوفيا, هذه المشاركة التي أبرزت للمجتمع إمكانياتهم وقدراتهم بشكل غير متوقع - كأشخاص فاعلين وقادرين بلا حدود - فعززت ثقتهم بأنفسهم وبإمكانيّاتهم ومواهبهم, خصوصا أنهم شعروا وببساطة, أن من كانوا ينظرون إليهم في الأمس بشفقة و دوينة, باتوا اليوم يتطلعون إليهم بإعجاب وفرح.
لقد كان طلابنا الصم في السابق حزينين دائماً من فكرة تعاطي المجتمع معهم, حيث كان الناس يعتبرونهم عالة على المجتمع, وأن عالمهم الضحل لا يمكن أن يحتوي أي قدرات وميزات, وأن آفاقهم مهما كانت, فستبقى محدودة دوماً, متناسين وجود عظماء في العالم من الصم, ومستبعدين على مجتمعنا, أن ينتج عظماء من ذوي الاحتياجات الخاصة.
إن مشاركة طلابنا الصم في فعاليات المسرح مع فرقة صوفيا, ومواجهتهم لجمهور غفير, وبراعتهم في زرع الضحكة, وتجسيد الموقف, قد قلبت هذه المعادلات, وأثبتت للمجتمع ما هو مذهل فعلا, وأنهم يمتلكون عالما غنيا خصبا, ملئ بكنوز دفينة يعجز الكثير من الأصحاء عن امتلاكها.
وكان لدمج الطلاب الصم بالمتفوقين من الطلاب العاديين, الأثر الكبير في تحفيزهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم, فكانوا يسعون دوماً من خلال فقرات المسابقات للفوز بإجابات صحيحة واستثنائية, وقد لاحظ الجمهور, أن إجابات الطلاب الصم, كانت دوما تتضمن معان فلسفية عميقة, وكانوا تماما حتى بمداولاتهم بين بعضهم البعض يحرصون على استبعاد إي إجابة قد تبدو سطحية, وكانوا دائماً يعتمدون إجابات تنطوي على أعمق المعاني والعبر, وكان ذلك أصدق تعبير على أنهم يحاولون إثبات ذواتهم للمجتمع, والتأكيد على أن إعاقتهم, ليست إلا بابا ذهبيا – يملكونه هم وحدهم – مشرّع على عوالم عميقة, تحتاج الكثير من التأمل والجهد لبلوغ ضفافها, وقد نجحوا (بشهادة الجميع) في إثبات ما أرادوه, وأظهروا للملاً أن لغة الإشارة التي يتقنونها وبمساعدة قدراتهم الذكائية, تكفي للتعاطي مع المجتمع كأسوياء. وقد أرسلوا للمجتمع رسالة مفادها : نحن بحاجة للتعاطي معكم, فلا تهمشونا.
وعلى ما سبق يمكننا تلخيص الأثر النفسي لمشاركة طلابنا الصم في فعاليات المسرح مع فرقة صوفيا وفقاً لعدة محاور:
أولاً: علاقتهم مع المجتمع
حيث باتوا أكثر ثقة في التعامل مع الغير, وبدأت نظرة الانكسار تغيب من عيونهم, كما أصبحنا نراهم واثقين في المستقبل, متأملين منه أنه سيحملهم على أجنحته, كأعضاء فاعلين وحائزين على والإعجاب والتقدير. هذا الشعور يفرضه عالم الحلم على الكثيرين ممن يدانوهم سنا, إذّ تسيطر عليهم فكرة دوام الفرح والسرور, في حين أن الواقع غير ذلك تماما. ولكن الملفت للنظر أنهم طوروا بداخلهم قدرة التواصل مع الغير من خلال تقبل المجتمع لحضورهم واحترام مساهماتهم, خاصة وأن بعض المشاهدين لهذه الأعمال المسرحية قد حضروا إلى المعهد وأبدوا إعجابهم واهتمامهم.
وعلى العموم وأيا كانت الحقيقة التي يرغبون الإيمان بها, فإنه من الواضح أن طلابنا الصم, باتوا واثقين أكثر بخطواتهم مع العالم الخارجي – إن صح التعبير – لا بل وأصبحوا يحضرون أنفسهم لمشاركات أكثر تنوع, ولحضور أكثر فاعلية.
ثانياً: علاقتهم بالأشياء
ربما ليس من المبالغ فيه إذا قلت: أن علاقتهم بالأشياء قد تغيرت وتطورت من مستوى اللامبالاة, إلى مستوى الاحتواء, والبحث عن وجوه الفائدة والاستثمار. ومما لا يمكن إخفاءه هو أن ذلك مردّه إلى طرق تعاطي طلابنا الصم مع حدث مشاركتهم في المسرحية التي أحبوها وأحبوا المشاركة فيها, وشعورهم بأنها قد حققت لهم الكثير, عبر استخدام أدوات وإكسسوارات, كانت تبدوا لهم سخيفة وتافهة, فقد حاولوا التقاط ما أمكن من عالم الإخراج والإعداد والديكور والتدريب وربما التأليف. ونرى ذلك واضحا من خلال ألعابهم التي باتوا يعدونها بأنفسهم على شاكلة ما رأوه, وبطرق لا تخلوا من الإتقان, في سعيهم الحثيث إلى الاحتراف.
حتى أن الواضح جدا أنهم باتوا يتطلعون لتذوق عالم الفن والإحساس بالموسيقا والأغاني وذلك يدفع للظن بأنه بدافع التقليد, ولكن المتابع لتطور حالاتهم يدرك أن ذلك يجافي دافع التقليد وأن كان يجانبه عند البعض, وذلك ليس غريباً إذ أنه من المعروف عن الصم عادة أنهم على صلة وثيقة بعالم التردد الصوتي والله سبحانه وتعالى ينمي لديهم المقدرة على ذلك. ولا ننسى المثال الحي في أذهاننا جميعا, الموسيقار العالمي بيتهوفن والذي أبدع أعظم سيمفونياته بعد أن أصبح أصما وإن ساعدته ذاكرته الصوتية على ذلك أكثر. إلا أن الصمم بحد ذاته كان دافعه الإبداع.
ثالثاً: من خلال علاقتهم فيما بينهم
فقد نمت روح تنافسية جذابة بينهم, إذ أن محاولة الجميع في التعبير عن قدراتهم الروحية العميقة في استنباط معان فلسفية لمعطيات الحكايات المروية, التي كانت محور نقاش العمل المسرحي, قد عزز روح البحث العميق لديهم, نحو فهم أفضل للأشياء, وباتوا يتبارون في بحثهم هذا, إضافة إلى تعاظم إحساسهم بأهمية الروح التعاونية. وفي ذلك ميزة أخلاقية رفيعة. فهم يتقبلون بعضهم باحترام وإعجاب - قد نراه غيرة وحسدا عند تعاطي الكثير من الناس العاديين معه عند مواجهة أي عمل جماعي مشترك- مما دفعهم وزودهم بالعزيمة, ليكونوا رفاق حلم أيضاً في إنتاج روابط لها نفس الطابع المسرحي حتى ولو كانت ألعابا.
رابعاً: علاقتهم بفرقة صوفيا
لقد حققت فرقة صوفيا لطلابنا الصم, فرصة متميزة جدا للاعتبارات المذكورة آنفاً, وأكثر, فقد تعمق بداخلهم الانتماء لها, ولطالما أنهم يشعرون بالاحترام والتقدير بداخلها, وأنهم أعظم من أن يكونوا أدوات للهو أو التسلية, وقد نجح فريق العمل في فرقة صوفيا حفظ الاحترام والمودة, فتعززت لديهم الثقة بالنفس, وانعكس ذلك على مشاركتهم التي تجاوزت حدود الدور الأدنى ليكونوا من المساهمين برفد نشاط الفرقة بأفكار وإبداعات من عوالمهم.
خامساً: علاقة المجتمع بهم
كما أسلفت, كان هناك اهتماما ملحوظ وإعجاباً لا يخفى على أحد من المتابعين للعمل المسرحي, ومشاركة طلابنا الصم بها, وقد تغيرت نظرة الناس إلى الطلاب الصم وباتوا يدركون أنهم يخفون إمكانيات عظيمة, ويتمتعون بملكات رائدة . إلا أن الكثير أعتبر نفسه غير معني إلا بما شاهد, في حين وجدنا أن البعض الآخر قد أهتم في العمل وبالطلاب الصم, وقد جاؤوا إلى معهدنا, طالبين تعلم لغة الإشارة, ليتمكن لهم التواصل مع الطلاب الصم, وباتوا يحاولون نصحنا واقتراح وسائل وأفكار جديدة لإغناء هذه التجربة.
بطاقة شكر وتقدير
لا يسعني ختاماً, إلا أن أتقدم باسمي واسم كل من يعنيهم تطوّر أداءنا الحضاري, كمجتمع يسعى للارتقاء بعالمه وفنه وعلاقاته وإبداعاته, واسم طلابي الصم, الذين يعيشون هذا الشكر و الأمتنان دوما, لكل من دعم أو سهل مشاركتهم في أعمال مسرح فرقة صوفيا للفنون المسرحية وأخص بالشكر, مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في السويداء, ومديرية التربية, وجمعية الرعاية الاجتماعية, كما أخص بالشكر أيضا الأستاذ غسان بركات القديم العلاقة بالطلاب الصم, والذي كان دوما الزائر المنتظر منهم, حتى قبل تأسيسه لفرقة صوفيا, والذي كانت له اليد الطولي في تبنيهم, وتبني مشاركاتهم, ودعمها, والأستاذ مخرج العمل تسير العباس, الذي بذل جهداً كبيراً, سعيا لأطلالة مسرحية أكثر تألقاً للعمل مرة بعد مرة. كما أشكر جميع الزملاء المشاركين في العمل, ولا أنسى الشكر الأكبر لجميع من دعم هذا العمل بتشريفنا حضوره ومتابعته , والذي كانت انفعالاته, الحكم الصادق على كل ما شاهد وتلقى . على أمل أن تستمر فرقة صوفيا للفنون المسرحية بالتطور ورفد مسرحنا بالمزيد الأغنى. وأن يأتي المستقبل لطلابنا الصم بفرص متجددة ومستمرة ومثمرة و بناءة, للمشاركة و الاندماج في نشاطات المجتمع, وأن ننجح جميعنا في تقديم كل إمكانيات مما هو مفيد لأداء مهماتنا على الوجه الأكمل.
.![]()
الحقوق محفوظة شمس الحقيقة غسان بركات 296156 16 00963
للاتصال Email :mailto:barakat@sunoftruth.com