كلمة الأيتام من فرقة صوفيا

                                                                                                                              الآنسة: أمل قرضاب

مشرفة الأيتام والمعاقين ذهنياً 

على سطح هذه الأرض, التي تفتح أشرعتها لبحر البشرية المزيفة. من ثريا النور إلى ثرى السواد!!! زاوية منسية. إذا نظرت إليها من بعيد, ظننتها حديقة غناء, وحين  تدخل فيها, تلمس بركانا يتفجر ألماً ومآسي  ومعاناة ..... هناك يسكن جمعٌ من الناس تخلت عنهم الحياة, وشاءت أقدارهم أن يحرموا الصلة العاطفية والحميمة مع أسرهم. وبسبب ظروف تنشئتهم, لم يدركوا لمَ ولماذا هم هناك؟ وكيف سيعبرون هذا الجسر ليصلوا إلى بر الأمان؟ فغرقوا في عالم الأسى, غير مدركين أي مصير ينتظرهم.

 وفي غياهب لياليهم وعتمة دروبهم, امتدت إليهم يدٌ رحيمة, وقلب طاهر تكلل بقدس الأنبياء, فانتشلهم من عزلة لياليهم, وأنارت أيامهم .... إلى هذا المكان إلى جمعية الرعاية / بيت اليتيم / أتى ذاك السيد, إنه شخصيةٌ عرفوها سابقا باسم / أبو الحكايا / حيث كان يزورهم  في الأعياد ويضيء لهم شموع العيد, عبر الحكايا  والفقرات الفنية والمسابقات, ويقدم لهم الهدايا والألعاب والحلويات ..... لكن هذه المرة جاء إليهم حاملا حقيبة مملوءة بالفرح وببشائر مستقبل واعد, وبدأت شمس من الأمل تشع في قلوب صغيرة بريئة, كانت ترى الحاضر سجناً, والمستقبل وحشا ً, لا يعرفون بأي هيئة  سيأتي ...

 هكذا بدأت الحياة الجديدة  ..... لقد أعد لهم رسول المحبة مشروعا ضخما, هو عبارة عن عمل مسرحي يكونون فيه ممثلين, ويؤدون أدواراً جميلة ومتنوعة.

 وباشر أبو الحكايا وصديقة ومساعدة المخرج تيسير العباس الإنسان المميز جدا, والذي على الرغم من ضخامة حجمه,  وحمله عشرات الميداليات والجوائز في البطولات الرياضية, فهو يحمل قلب طفل بريء ساحر,  وروحاً محبةً للعطاء والمرح ... إنه حقا ثروة لهذا المجتمع, فتاريخه حافلٌ بالإنجازات, لقد أسس مسارح عبر دول الخليج, وساهم في وضع ركائز المسرح السوري, ومن ثم فر هاربا من كل العروض المادية المغرية, التي كان يمكن أن تكسبه أموالاً طائلة, عبر أعمال هابطة, كما هي سمة هذا العصر, لينضم إلى فرقة صوفيا, باحثا عما يغني نفسه وروحه, لتكون ثروته احتضان قلوب ضاًّلة, تبحث عن الدفء في كون أثلجته سيادة المادة على الروح....

 وبأعجوبة تكاد تكون كالسحر, استطاع أبو الحكايا ومساعده, أن يستخرجوا طاقات الأطفال الإبداعية ليحولوهم  إلى مسرحيين محترفين. والأهم من ذلك إخراجهم من أسوار هذا المكان؟!!! إلى عالم يصبح فيه كل واحد فيهم, شخصية هامة, سعيدة, تعتز بنفسها. إنها حقا ً لأفضل طريقة علاجية, للتخلص من الأزمات النفسية, ولإثبات الذات وزيادة الثقة بالنفس .

وكانت المفاجأة الفريدة التي لم يتوقعها أحد أن اثنتين من المعاقات عقلياً, حاربتا بشدة, وذرفتا, الدموع للمشاركة في هذا العمل, فتقبلهما / أبو الحكايا / بصدره الرحب وبمحبته الا محدودة, وبدأ بذكائه المعهود تجربتة معهما .... فأسقط عليهما صورة من صور الواقع   المبتذل  .... فأجادوا التعبير عنه ... فما كان منه إلا أن أشركهما  في مشروعه الذي طال كل شرائح المعذبين / أيتام  / مشردين / صم / بكم / معاقين .../ والذي لم يعهد  لمسرح أن احتوى ما احتواه من نوعية ممثلين, ومواضيع, وأبعاد روحية, وتوجيهات تربوية.

 وبكادر  متكامل من الإداريين والمخرجين والمعدين, استطاع رجلان عظيمان إعداد وتدريب وتقديم أجمل الفقرات, وإبراز سلبيات الواقع, التي تهدف إلى تدمير وقتل الإنسان داخل نفسه, وتشوبه عقول الأجيال عبر أعلام مترد ومشوه....

 وبقدرة عجائبيه  استمدها الأستاذ غسان من روح الإله, رأى من تطلع ببصيرته, المفارقات على المسرح, فسمع الصور تتحدث قائلة :  أنا الأصم .... أنا المعاق .... أنا اليتيم .... أنا المتفوق .... جميعنا توحدنا روح الإله, ونحمل في داخلنا طاقات وقدرات سامية ... أبقوا شموعنا مضيئة بمحبتكم.....

 وكما كل الأنبياء تعرضوا للرجم والصليب, كذلك تعرض هذا العمل العظيم الذي غمر كل ذي حاجة بالفرح والأمل, وعزز القيم الإنسانية بتكريمه للخيرين, وحث الناس إلى البحث عن الكنوز التي في أعماقهم, والتي اندثرت عبر عصور من الجهل والغربة عن الحقيقة,  امتدت إليه أيدي وحوش تجردت من الرحمة, وغرقت في ظلمات  الأنا  القاتلة, والمصالح الشخصية, وتاهت في مجاهل الشر والحسد, وحاولت تخريب وهدم هذا الإنجاز, فبدأت تزرع الفتن وتضع العقبات أمام متابعته, وتوجه اتهامات دنيئة معبرة عما تحتويه من أوبئةٍ فكرية تعشش في عقولها ...

ولكن وكما عنقاء الرماد .... هكذا كان أبو الحكايا, يحلق فوق أنقاض المتكسرين بشجاعة وصلابة وحكمة, فيزداد وهجا ويزداد عطاء ويزداد التصاقا بقلوب التواقين إلى المحبة والسلام الروحي.

ولا يسعنا إلا أن نقول :

 لتباركك السماء يا مرتديا ثوب الجمال الزمردي

لتحميك أرواح القديسين وتحفظك أنوار المولى

لتبقى منارة متقدة للحقيقة وفارسا مقداماً  جديرا بحمل درع صوفيا ....

                            / لتسلم لنا دائما وأبداً/

.

الحقوق محفوظة   شمس الحقيقة    غسان بركات   296156  16  00963 

 للاتصال  Email : barakat@sunoftruth.com  

الصفحة الرئيسية     الدليل