رسالة من السيدة قرار
إلى الأسياااااااااد أصحاب القرارات
من هي السيدة قرار؟..
إنها كما يقولون مجنونة , لكن الأطباء يهذبون الكلمة فيقولون أنها معاقة ذهنياً. إنها نزيلة جمعية الرعاية الاجتماعية.
لكن هذه المجنونة أو المعاقة ذهنياً كانت تقع في حلم جنوني خطير جدً!!! لقد كانت تحلم بأن تصبح ممثلة!!!!..
وشاء لها القدر أن ترى فرقة صوفيا للفنون المسرحية تدخل الجمعية لاختيار بعض المواهب من الأطفال الأيتام من أجل مشاركتهم في عروضها المسرحية.
وهنا أحست هذه المعاقة بأن حلمها ورجائها بدءا بالتحقق, لهذا أطبقت على عناصر الفرقة بكل قوتها وإلحاحها, طالبة وراجية إعطائها دور تمثيلي على المسرح. لكن الفرقة لم تكن مستعدة للتعاون معها كون الفرقة لا تمتلك الأساليب والمقدرات التي تحتاجها هذه الإعاقات على المسرح, لهذا وعدتها وسوفت لها.
لكن تلك الوعود أججت أملاً دفيناً في داخلها.
راحت تنتظر هي وقريناتها في الإعاقة العقلية, قدوم أفراد الفرقة على الباب الخارجي للجمعية في الحر لساعات طويلة. كانت الشمس تشرق وتغيب, والأيام تمضي وهنّ جميعاً ينتظرن على الباب قدوم الفرقة, لتوزيع الأدوار المسرحية عليهن, كما توزع أرغفة الخبز على الجياع, لقد كن يحلمن بالوقوف على المسرح كي يغنين ويرقصن ويحصلن على تصفيق الجمهور أسوةً بنانسي عجرم!! وماريا!! وهيفاء وهبة!!!.
ولم تكاد عناصر الفرقة تصل الجمعية حتى كن يتحلقن حولها, و يتوسلن لها بدموع سخية ويستعطفنها, علّهم يمنحوهن أدوار بسيطة على المسرح.
كانت عناصر الفرقة تتساءل ما هذه المحنة وما هذا المطب الذي وقعنا فيه, وكيف نستطيع إفهامهن أنهن لا يستطعن أن يقفن على المسرح, ولا يستطعن حفظ الأدوار بسبب حالاتهن.
كانت الفرقة تحاول في عملها تجسيد فكرة تخلف الفكر والقرار في التعاطي مع هجمة العولمة على البشرية.
وهنا خطر على بال مؤسسيها فكرة. طالما أن العمل يتعرض إلى فكرة تخلف الفكر والقرار, وطالما أن المتخلفين عقلياً يلحون للوقوف على المسرح, لمَ لا تصاغ الأدوار بطريقة تمكن المعاقين الوقوف على المسرح والتعبير عن فكرة التخلف والإعاقة الفكرية؟..
وهنا تم إعادة صياغة الأدوار, وقبول فكرة استخدام المعاقين عقلياً لتجسيد بعض الأدوار المسرحية.
وهنا تحقق الحلم الكوني لدى تلك المعاقة التي أصبحت فيما بعد تعرف باسم السيدة قرار.
لقد كانت أمنيتها في الحياة الوقوف على المسر ح قبل أن تموت, وها هو القدر يحقق لها حلمها.
لقد كان دورها (( السيدة قرار )) كوميدياً بسيطاً ومحبباً, إنه يجسد دور أصحاب القرارات الذين يأتون المناصب كدمى لمساعدة أصحاب القرارات الكبيرة, من جهة, ومن جهة ثانية ليساهموا في صناعة القرارات التي تتحكم بحياة الناس بكل هزل وسخرية.
كان الجمهور يضحك ويصفق لكلماتها البسيطة, وكانت هي مسرورة من نفسها كثيراً, لأنها أصبحت تغني وترقص على المسرح.
لقد أحست ولأول مرة بقيمة جمال الحياة وبهجتها, لأن الأطفال لم يعودوا يخفنها, ولأن الكبار أصبحوا مسرورين منها, كونها أصبحت تضحكهم, وتبهجهم بغنائها ورقصها.
لقد أصبحت السيدة قرار تتنفس الحياة عبر المسرح, وأصبح أجمل يوم في حياتها, يوم تطل على المسرح لتحصد التصفيق والتشجيع, وأصبحت باقي الأيام لديها جميلة, لأنها تحلم بإطلالتها الجديدة على المسرح, وقد حصلت على وعود بان عروض الفرقة المسرحية ستنتقل إلى أماكن أخرى, لكن بعد الحصول على الموافقة الرسمية.
وراحت السيدة قرار تنتظر قرار الموافقة لنقل العروض المسرحية.
لكن السيد ميلس رجل القرارات الدولية راح يحاصر سوريا باتهاماته, فتأخرت موافقة نقل العروض المسرحية إلى أماكن أخرى.
عادت السيدة قرار للانتظار على باب الجمعية علّ القرار يأتي بالموافقة المطلوبة.
ذهب الصيف وجاء الشتاء ببرده وأمطاره ورياحه. وهاهي السيدة قرار لازالت متمسمرة مكانها,على الأبواب, منتظرة الورقة التي تساعدها على إعادة تنفس الحياة خارج أسوار الجمعية.
راح صبرها ينفذ وعزيمتها توهن, وحتى الآن لم تأتي تلك الورقة. وعندما نفذ صبرها أدركت أن هناك شيء ما يتوجب عليها فعله!!.
ذهبت السيدة قرار وسألت إدارة الجمعية باحتجاج : أين تلك الورقة؟؟.
لكن إدارة الجمعية كان صبرها هي أيضا قد نفذ من كثرة أسئلتها وإلحاحها عن تلك الورقة التي شكلت هاجساً مخيفاً لها, فأجابوها بأن لا ورقة لديهم ولا نريد الآن أن نرسلك إلىأي مكان.
وهنا حدثت بالنسبة لها الطامة الكبرى !... وتساءلت: لمِ أنتظر كل تلك الأيام في الحر والبرد والمطر والريح على الباب تلك الورقة؟.. ومنذا الذي افترس حلمي؟.. ومنذا الذي يحرمني تنفس الحياة بالرغم من كل آلامي وحرماني؟.
أين هذا الوحش العديم الأخلاق والضمير الذي يفترس أحلامنا وآمالنا خلف الأسوار والزنازن؟..
وهنا لم يعد أمام السيدة قرار إلا الانفجار بالبكاء والصراخ والشتائم. كان صراخها يدوي في الساحات ليصل الأبنية المجاورة. لقد أرعب صراخها جميع العاملين في الجمعية وجميع من وصل إلى آذانهم صوت صراخها وشتائمها.
لقد حاولت في نزق ثورتها واحتجاجها أن تسأل: لمَ تحرموننا من الحياة مرتين؟.. لمَ تستسهلون الموت في الصمت والخنوع ؟..
وكان العلاج لهذه الحالة, إبرة من المهدئ والمنوم!!.
هؤلاء المجانين ينومهم المخدر.
أما عقلاؤنا فيخدرهم الخوف!!!!!
.![]()
الحقوق محفوظة شمس الحقيقة غسان بركات 296156 16 00963
للاتصال Email :mailto:barakat@sunoftruth.com