صدام يهوه مع الآلهة الكونية
وحتمية دمار العالم- جزء 2
إنك تعيش في زمن هتلر الذي لا زال حياً. لكن هتلر بالرغم من حراسه الستة, فقد قتله قاطع طريق!!!؟؟
" ماستهاكم "

محاكمة يهوه
أجاب يهوه بامتعاظ : أتريد أيها الإله الأعظم, أن أقف موقف المتهم, وأن استمع إلى اتهامات هؤلاء الحمقى المجانين.
نصح برهمن يهوه قائلاً: إن في كلامك ما يؤكد انفلاتك من عقالك, وإثبات لما تدعيه خصومك, وأرى أنك ملزم الرد الآن على الاتهامات, وكلي ثقة بقدرتك وبلاغتك في الرد والإقناع.
بذل يهوه جهده الجهيد للعودة إلى هدوءه وانضباطه, لكن ديميترا عاجلته بسؤال استفزازي, لتأجيج صخبه وانفعاله قائلة: أي يهوه… يا سيد القوّة والسلطان والأخلاق الحميدة. يا سيد المبادئ والذهب والمال. إن العهود والأسفار تقول أنك قد شجعت أنبيائك المعصومين, مثل إبراهيم وإسحاق, ليسوقوا زوجاتهم إلى فراش الملوك والسلاطين, بهدف جمع المال, لبناء دولة شعب الله المختار. بالله عليك قل لي كيف يقيم شعب الله المختار دولتهم وحضارتهم بأموال الدعارة ؟. وأية أخلاق و قيم لحضارة يقودها أنبياء من العهرة والقوادين؟.
قهقه الآلهة ساخرين لاستفزاز يهوه, لكنه بذل جهده الجهيد كي يحافظ على هدوء أعصابه ثم قال: قبل أن تقذفوا وتجرحوا الآخرين, عليكم بادئ ذي بدء, أن تضعوا نصب أعينكم المبادئ الكونية في البناء والهدم والكون والفساد.
إن المبادئ العليا أيها الآلهة الأجلاء عديمة الجدوى في زمن السقوط والاندثار. الحكيم الحق هو ذاك الذي يستثمر المبادئ العليا في زمن الصعود والارتقاء, ثم يستثمر أي مبدأ يتاح له في زمن السقوط والاندثار. فما الفرق إذاً بين الأسود والأبيض, والمال الصالح والطالح في آتون النار والدمار؟.
لماذا تحاكموني أنا في تهمة الدعارة؟. ألا تجدون اليوم عشرات الدول الصناعية العلمية المتطورة, تقيم اقتصادها على أموال الدعارة؟. لماذا تحاكموني الآن ولا تحاكموا زيوس ولا بوذا؟.
رد زيوس: لقد تحول كل ما في هذا العالم بسبب ذهبك وأخلاقك إلى مخارة دعارة وفسق, ولا أرى من يستحق المحاكمة سوى ذهبك وسلطانك وعلمك اللعين.
أجاب يهوه بامتعاظ: ماذا تفيد الحكمة أمام حمقى وسذج ومخبولين؟.
تدخل برهمن قائلاً: أنصحكم التوقف عن هذا التقريع والتجريح, كي لا أجد نفسي مضطراً ترككم لصدام كوني مدمّر.
قال يهوه : ماذا أقول يا سيدي, لمن يتهم علمي باللعين, ألا يعلمون بأن خيرة علماء وحكماء العصر من أمثال نيوتن و فرويد وماركس وانشتين وآلاف غيرهم قد جاءوا من مدارسي!.
سأل زيوس ساخراً: من أية مدارس؟. من مدرسة التلمود؟!. أقتل من غير اليهود؟. أزنِ بغير اليهودية؟.
قال يهوه: السذج والحمقى, تتوقف عقولهم عند هذه العبارات المموهة. لكن العقول المستبصرة تدرك أن التلمود أداة استثمار ممتازة للفكر البشري في الجدلية!. وهذا هو سر تفوق وتميّز أمتي عن باقي الأمم, وسر ولادتي لآلاف العلماء والحكماء اليهود, الذين غيّروا وجه الحضارة المعاصرة. وهذه الحقيقة لا ينكرها إلا الحمقى أو المفترين.
تدخل بوذا قائلاً: لقد طلبت قبل قليل محاكمتي مع زيوس بتهمة لجوء بعض من شعوبنا لممارسة الدعارة بهدف جمع المال. وأنا يا سيدي لا أريد اتهام الفقر وسياسة التجويع العالمية, بتشجيع الإنسان على الدعارة. لكنك يا سيدي أنت الآن سيد المال والذهب والاقتصاد والسياسة الدولية والتكنولوجيا. ونحن يا سيدي قد عزفنا منذ القدم عن الملك والسلطان, كي نعفي أنفسنا من مسؤولية الفساد والدمار الجاري. فهل تستطيع الرد, عما قدمه ذهبك وسياستك لهذا العالم الفاسد المتردي؟.
أجاب يهوه: أعتذر عما صدر مني بحقك. وأنا أحترمك أسوة بباقي أسياد التجارب الروحية. لكن يا سيدي إن جميع التجارب الروحية قد حكم عليها بالفشل الذريع, بسبب عزوفها عن المال والسلطة.
أجاب بوذا: إن المال والسلطة والمرأة هم أعظم مفاسد الكون !.
قال يهوه: هذا ما نصح به أسياد التجارب الروحية, لكن ما هي نتائجها ؟.جميع أتباع المدارس الروحية يقبعون الآن سجناء الفقر والجوع والتخلف والحقد والعنصرية والهمجية!. لماذا؟.لأنهم لم ينتبهوا إلى أهمية دور السياسة في المجتمع الروحي.
قال زيوس: هراء...هذا هراء. انظر إلى تاريخ المهاتما غاندي والدالاي لاما, فقد أعطيا أعظم مثال قدسي في السياسة الحياتية والروحانية.
قال يهوه: انظر إلى الدالاي لاما- التجلي الرابع عشر لبوذا- كيف يقبع الآن سجين منفاه وعزلته واحباطاته!. انظر إلى مقتل المهاتما غاندي, وفشله الذريع في إحداث أي تغيير حقيقي في تاريخ الهند, فهو لم يستطع إيقاف العدائية والكراهية بين الهندوس والمسلمين من جهة, ولم يستطع إعفاء الهند من التردي في مقبرة الجوع والتخلف من جهة أخرى.
ثم أضاف يهوه قائلاً: إن المهاتما غاندي وإن أعطى مثالاً فذاً في فلسفة السياسة المروحنة, لكنه فشل فشلاً ذريعاً في الحقل الاقتصادي, عندما طلب من تلامذته التبرع بالمال وتبديده, بدل استثماره الاقتصادي, كون الخلاص مرهوناً بالإله وليس بالمال.
ثم أكد يهوه قائلا: المال والاقتصاد والعلم والسياسة, هم أهم ركائز القوّة الروحية, وهذا هو سر قوتي وعظمة تجربتي.
قالت ديميترا: لكن رسول الإسلام قد سبقك الإفصاح عن هذه الحكمة, وقد سبقك في التجربة أيضاً, لكن المسلمين من بعده مارسوا أردأ أنواع السقوط والانحلال والتفسخ, فما قيمة هذه الحكمة والتجربة؟.
قال يهوه: لم ينجحوا, لأنهم لم يعدّوا ويهيئوا الإنسان لهذه القفزة الإنسانية العالمية الكونية.
قالت ديميترا: وهل ذهبك وسلطانك وحكمتك وسياستك واقتصادك قادرين اليوم على تحقيق تلك القفزة؟.
أجاب يهوه: إن هذه القفزة يتحكم بها النظام الكارمي للعالم, وأنا لا أستطيع تخطي تلك الحسابات, فكما أن مملكة شمبهالا تعيش في الركن الآخر الخفي من العالم دون أن تشاركه كارماه, أو دون التدخل بالحساب الكارمي, فأنا أيضاً أدرك أن التدخل الكارمي لرفع سوية الإنسان سيجبرني دفع مالا طاقة لي به.
قالت ديميترا: لكن ذهبك وقوتك يقودان العالم للتردي في أسوء أنواع الكارما. ألا تتحمل وزر أفعالك؟.
قال يهوه: إن العالم قد أذن, نحر نفسه في رحلة الموت والتحلل, العقل الحكيم يدرك طبيعة المرحلة الكونية, فيتخذ ما يناسبه, وفق معطيات المرحلة. من الحماقة أن يبحث العاقل عن مفاهيم الصعود والارتقاء في مرحلة الموت والتحلل والفناء.
إن العالم ينحر نفسه عبر صراع وصدام الحضارات, الإنسان في هذه المرحلة مؤهل للصراع والدمار أكثر مما هو مؤهل للتواصل والتكامل. وطالما أن هذه المرحلة تفضي إلى الصدام والدمار والفناء, فلماذا ألّزم نفسي فلسفة الطيبة والمحبة والارتقاء, وأسلك مسلك الحملان المنتحرة بين أنياب الذئاب, أو أن أعيش عيشة السذّج والمخبولين.
أيها الآلهة الأجلاء, إن أثرياء الحروب, قد خلقتهم ثروات صرعى الحروب من أولئك الرافضين الدخول في آتون الموت وسفك الدماء. إن شعبي قد رفض الموت, لكن القدر قد كتب عليه أن يواجه قوى طاغية, أرادت أن تنحر نفسها به. لذا فهو مضطر لقتلهم من جهة, والاستيلاء على ممتلكاتهم من جهة أخرى, وهذه هي فلسفة صراع شعبي.
واستطرد يهوه قائلاً: إن الشعوب العربية والإسلامية, قد قررت موتي ونهايتي, بذات الوقت أنا قد أنهيت الحضارة الأوروبية واليابانية وأعرق حضارات العالم, ممن يمتلكون العلم والاقتصاد والذهب والقوّة النووية. واليوم يحق لي أن أسأل: ماذا تملك الحضارة العربية والإسلامية من مقومات, باستثناء دكتاتورياتها وأحقادها الطائفية وكراهياتها ونزعاتها المفرطة للعنف, كي تحاول سحقي؟.
قالت ديميترا: لقد جاء في أسفارك المقدسة أن الحية رمز الشر والشيطان, وأن عصا موسى قد تحولت إلى حية, افترست أفاعي الآخرين. وهذا يعني أنك قد أوحيت إلى شعبك, أن يكونوا أكثر شراً من شرور العالم. لهذا أتهمك بأنك أنت مصدر هذا الشر والتخريب العالمي.
أجاب يهوه: إن تصفية الحسابات الكارمية للمجتمع البشري تعمل عليه قوى كارميّة عليا, يصعب على عقول الآلهة والبشر الإحاطة به, وهذا ما يبرر وجود حضارات وطبائع بشرية سافلة ومنحطة, تسيء للطبيعة والكون, من الواجب تحقيق التوازن الكوني عبر سحقهم وإبادتهم, والتاريخ يؤكد على اندحار حضارات لا حصر لها.
سخرت ديميترا وقالت : أراك تتشدق بعبارات فلسفة الوضاعة, فما أنت سوى قاتل خسيس يغذي جوف إله الموت ياما الغاشم المشؤم.
مأساة "ياما"
إله الموت
استمع إله الموت ياما إلى تقريع ديميترا المجحف, فتجلى كالبرق الخاطف, يلفه الألم والحزن عما كالته إليه آلهة الطبيعة من تجريح وتقريع.
قال ياما: كم يحزنني أن تصورني عقول الآلهة والبشر بصورة إله البَينْ المرعب الغاشم الصخري الفؤاد, الذي يخطف الأرواح, ويفرق الحبيب عن حبيبه, والأم عن ولدها, والشقيق عن شقيقه, فلا يذكروني إلا في لحظات حقدهم وسخطهم, لتسليطي على بعضهم البعض, و كأن الموت شبح شيطاني, يسلّط على أرواح البشر لسحقهم وتعذيبهم.
ثم أضاف إله الموت قائلاً: أيها الآلهة الأجلاء, إن الكون محكوم عليه بالموت والولادة, لأنه مخلوق. إن الجميع يبحث عن الأزلية والديمومة بالله, لكن الله ليس الكون, إنه روح الحق خلف الكون. الجهل هو أن يبحث الإنسان عن الخالق في المخلوق. إن الله يسوق الإنسان في عالم الموت والولادة عبر الكون, ليستخلصه لنفسه, وبالتالي عادة ما يكون الموت منجاة للنفس, وإنقاذاً لها من الغوص والتردي في خطأ التجربة, وبالتالي يهدف الموت إلى نقل النفس إلى تجارب أرقى وأسمى. أولئك الغارقون في لعبة الحواس يرفضون الموت, لأن عقولهم عاجزة عن تصور المعرفة خلف حدود الحواس. فينعتوني بالشؤم, ويكيلون لي الشتائم, ويطردوني من أذهانهم. وكأن الموت صفة عارضة تأتي لدمار وسحق سعادة واستقرار الإنسان.
أيها الآلهة الأجلاء إن قتل الجسد لحظات من الألم وتمضي مع تحرر الروح. لكن اشد أنواع القتل إيلاماً إنما هو استعباد الروح. إن الديكتاتوريين وقوى الاستغلال الغاشمة, إنما هم أسوء أنواع القتلة على الإطلاق, فإذا ماتوا عادوا إلى الحياة كفقراء, لتستغلهم وتسلخ جلودهم قوى الديكتاتورية التي أسسوها هم أنفسهم في حياتهم السابقة. وهكذا تمضي الحياة قدماً, بين قتلة وقاتلي أنفسهم, ليعم الظلم والجور والحقد والكراهية.
إن الموت يطال كل قاتل, لكنه لا يستطيع أن يطال الحكيم الذي يعبر الحياة, واضعاً نصب عينيه, رفع سوية الوعي في الحياة, إنقاذا لها من التردي في هاوية الفوضى والقتل والدمار, لأن مصيره يصبح بين يديه, ويستطيع مغادرة الحياة ساعة يشاء.
أيها السادة أنا آلة كونية, تعمل على تجسيد وتحقيق رغباتكم. لكن رغباتكم مثل حياتكم تتمثل على ستار الزمان. وكل ما يتمثل على ستار الزمن لابد أن تكون له بداية ونهاية, فلماذا تفرحون بالبداية وتنكرون حق النهاية. صمت ياما ثم أضاف: أنا أجيبكم الآن, إنكم تنكرون النهاية لجهلكم نتائج رغباتكم, ولتعلقكم باللذة, وخوفكم وجزعكم من الألم, علماً بأن الألم أكثر فائدة للنفس من اللذة. إن حالة العمى التي تصيب النفس نتيجة التصاقها بالجسد, هي سبب كل هذه التخبطات الكونية.
وقال ياما : لقد وعظ الإله هرمس قائلاَ: ينبغي لك يا نفس قبل الانفصال عن عالم الطبيعة, من تمني الموت, وهو الموت الطبيعي. وقال أيضاً لابد لك يا نفس قبل مغادرة عالم الطبيعة, من تمثل طريقك محلاً بعد محل حتى نهاية المستقر. وكم يؤسفني أيها الآلهة, جهل الإنسان بتمثل الوجود خارج حدود الجسد. فإذا أصاب الإنسان مرض قاتل, احتار أهله وذووه, بإخفاء خبر الموت عنه, وراحوا يحتالون عليه بآمال كاذبة, متجاهلين أهمية وضرورة تحضير الذهن والروح لتمثل طريق المغادرة بسلام, للعوالم الساميّة, التي تقع خارج حدود الحواس. إن جهل الإنسان بالقوانين الكارميّة يخلق له كل هذا العمى.
وأضاف ياما قائلاً: إن التجليات الإلهية, محكوم عليها الغوص في الحسابات الكارميّة, لذا نجد تاريخ الآلهة ملطخ بالدماء مع السبي والتفظيع والتنكيل. وأنا لا أجد لنفسي بد, إلا بتحقيق العدالة, فأسوق الخلاص بالموت للحكماء, وأحقق خيارات البشر القاتلة المقتولة. إن الدور الذي يلعبه يهوه في جر العالم إلى مجازر كارمية, مجبر عليه. لأن خياراته الأولى تفرض عليه أن يتمم لعبة الموت والانهيار. وعلى الفرض أن يهوه لم يقم بهذا الدور, فستدفع لعبة التكوين إله آخر.
وأضاف إله الموت قائلاً: أيها الآلهة الأجلاء, إن الإنسان الذي يدفع رصيداً كارمياً عالياً من الآلام في صراع الحضارات, قد كتبها على نفسه نتيجة اضطهاده لأبنائه في لعبة السياسة والاقتصاد وزعامة الكهنوت. إن الأمم التي تجتاح ذاتها بالظلم والاستبداد, عليها أن تعلم أن صراع الحضارات سيسحقها بين النعال. من العبث أن تطالب تلك الحضارات العالم بأن يكون عادل معها, وبذات الوقت تمارس أبشع أنواع الظلم والاستبداد بين أفرادها.
سألت ديميترا الآلهة قائلة: إن القانون السببي يحكم العالم والكون, وكثيراً ما تساءلت عن تاريخ نشأة الآلهة لمعرفة متى وكيف ولد يهوه, فلم أتمكن المعرفة. فهل أجد منكم من يجيبني عن سؤالي ويثلج قلبي؟.
ولادة يهوه
انبرى بوذا للإجابة قائلاً :هنالك نظريتان عن ولادة يهوه, الأولى غنوصيّة والثانية ثيوصوفيّة. تقول النظرية الغنوصيّة أن يهوه قد ولد من محبة منيرفا, "آلهة الحكمة", لسيدها الكائن الأعظم, فجاء من ثمرة هذا الحب يهوه كإله للشر, ليخلق العالم, وليعيث فيه فساداً. لهذا توجب على الكائن الأعظم التجلّي في العالم, لكبح جماح يهوه, ولتحقيق الأمن والسلام. أمّا النظرية الثيوصوفيّة فتقول: أنه بعد دمار السلالة البشرية الرابعة في عصر أطلنطس, عاد الحكماء المتألهين إلى الأرض, وأعادوا بناء جذور هذه السلالة البشرية الخامسة الحالية في أرض مصر, وشرعوا ببناء صروح وأوابد تاريخية ضخمة, ليؤسسوا عصر تاريخي جديد, منشئين نظام, "إله- بشري" متكامل, متواصل مع نظام الوعي الكوني من جهة, و من جهة أخرى متواصل مع الحياة البشرية, الساعية لتطوير اختباراتها في عالم الفردية و التكامل.
لكن تجربة التفرّد المفرطة, قد أخرجت الإنسان عن سكة التوحيد والتكامل و النظام. فهُزم نظام التوحيد بدور اخناتون, وانتصر أتباع التفرد المفرط من عبدة نظام آمون.
أقر أتباع اخناتون بالهزيمة, مدركين أن سببها ميل و جنوح النفس البشرية إلى تجارب الأنانية المفرطة, و أدركوا أن الحياة ستعاود انهيارها الحتمي من جديد. فلجأوا إلى أعلى جبال العالم -هيمالايا- و أنشأوا مجتمع شامباهالا الحكيم, ليستعدوا إلى دور تكويني جديد. لكن قسم من أتباع اخناتون بقيادة موسى, رفضوا حياة المنفى في جبال هيمالايا, و قرروا متابعة تطوير نظام التوحيد الاخناتوني في مواجهة مدرسة آمون الجائرة, فخلقوا من صلواتهم و رغباتهم قوّة الإله يهوه. لكن أتباع موسى لم يكونوا قد قضوا وقتهم الكافي في مدارس التنشأة الروحية و الإعداد المسلكي, الذي جهد سلالة الحكماء المتألهين في إعدادها, فقتلوا موسى, و طوروا خلق يهوه, بما يتناسب مع رغباتهم في عبادة القوّة والسلطة والتميّز التي يؤمنها الذهب.
وقاد المسكين يهوه شعبه المتخبط, ليوقعوه في أخطاء وتخبطات مفجعة, وليجعلوا منه عفريت رغباتهم, فحقد عليهم ودفعهم لقتل بعضهم البعض.
لقد أصابت التخبطات المسلكية كيان المجتمع اليهوي, فصرفوا النظر عن الأخلاق, وراحوا يهتمون بالسحر و الذبائح والمحارق, متخذين أسوأ أنواع المسالك من زنى, ودعارة, وقطع الطرق, فأوقعوا أنفسهم في فخ كارمي لئيم, ليجتاحهم البابليون ويسبونهم ويسوقوهم عبيد.
ومع الزمن, عاد الحلم, واستيقظ بهم طموح مملكة شعب الله المختار, وراحوا يكتبون أسفارهم المقدسة, بكل تفاصيلها, وفاتهم أن تلك الوقائع, تفضح فضائع تخبطات تاريخهم الدموي, الذي لم يخفوا فيه, فسق نبيهم لوط بابنتيه, وغدر داوود وسليمان بأوريا الحثي وبنائي الفنيق , وقوادة إبراهيم وإسحاق على زوجاتهم لفرعون وملك صادق بهدف جمع المال.
سألت ديميترا : ما هو التوراة إذاً؟.
أجاب بوذا : سفرٌ لحالم مهزوم, مصاب بهوس التفوق العنصري. أججت صناعته, ذروة الصراعات الكارميّة. إنه تدوين فجّ لمنقولات تاريخية غير موثّقة, دوّنت على أساس أنها تاريخ قدسي, فوقع في فخ التخريف من جهة, وفي فخ العنصرية من جهة أخرى, عندما مسخ تاريخ الآلهة لصالحه, معتبراً أن الآلهة وجدت لأجله دون سائر البشر.
كان يهوه يصغي إلى هذا التحليل الجائر, متسائلاً: هل وصلت الكراهية و العدائية إلى قلب إله المحبة والطيبة؟ أم أن هنالك غولاً مفترساً, قد ولد في كيانه, دون أرادته, فرضت ولادته الصراعات التي لا ترحم؟.
قال رع إله الشمس المصري : إن سقوط يهوه لم يكن قد أخذ هذا الضجيج, لولا أن قبض أتباعه على سبل العيش والحياة, ولا نريد أن نضخم سقوطه, بل علينا أن نلوم آلهة العقل والحكمة" منيرفا" لانصرافها إلى الحروب, وتقاعسها في صناعة الأخلاق والفكر عند الإنسان.
مأساة منيرفا
تقدمت منيرفا آلهة الحكمة قائلة: إن أصعب الصناعات على الإطلاق هي صناعة الفكر, لأنها تتدخل في النسيج الوجداني البشري.
إن تطوير الفكر لا يتم إلا عبر صدمة وجدانية عميقة ومؤلمة, تماماً كما تفعل عملية فطام الرضيع .
إن الرضيع يرتبط بالعالم عبر الثدي. إنه يمثل له أمنه الوجودي والعاطفي والغذائي. عندما تبدأ عملية فطام الرضيع, فإن صدمة عميقة تهز وجدانه, لأنه اعتاد على حنان أمه, عبر ملامسته لثديها, واعتاد على غذاء جسدي ووجداني من الصعب أن يؤمن مثله في الوجود. إن الصراخ والبكاء الذي يفتعله الطفل, إنما اعتراض على بدء استقلاليته في الحياة, لكنه في النهاية يستسلم, عندما يجد البديل الغذائي وقبلات أمه.
وهكذا يولد فكر الإنسان رضيعاً, متعلقاً بثدي موروثاته الفطرية, والتي اكتسبها عبر إعجابه بأمه, وبيته, وحيه, وبلده, وأمته.
إن قوة الانتماء إلى الجذور تدفع الإنسان للظن, أن كل ما يعرفه, وما تعلمه, هو الكمال بحد ذاته. وكل تغيير, إنما هو اعتداء على هذا الكمال. المجتمعات الطائفية والعنصرية المتخلفة, تدفع الإنسان لتأليه عاداته, وعصبياته الدينية, والقومية, والعرقية, وتصنع له رقيباً وحسيباً صارماً, هو العرف الاجتماعي والتقاليد الموروثة. وهكذا ينغلق الإنسان عليها, كما ينغلق الرضيع على ثدي أمه, ظاناً أن ما يعرفه هو الكمال بحد ذاته.
إن صناعة الفكر أشبه بعملية الفطام بالنسبة للرضيع. فالإنسان بالفطرة يقاوم التبديل, كما يقاوم الرضيع أي بديل عن ثدي أمه, لكن القوّة لابد أن تنتصر, وهذه هي كارثة تطوير الفكر البشري.
إن الإنسان بحاجة للإنسان وجدانياً كحاجته للطعام والشراب. وعبر القيم والأعراف, ينشأ النسيج الاجتماعي ليرفع الناس, فوق بعضهم البعض, درجات, بمقتضى القيمة التي يطرحها المجتمع, لتكون باب التميّز والرقي في السلم الاجتماعي.
فالفروسية كانت القيمة المميزة في المجتمعات القديمة. والحكمة والقداسة, كانت القيمة المميّزة في مجتمعات اليونان القديمة والهند. لكن البشرية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمادة, التي هي عماد التفرّد والتميّز في المجتمع البشري. وهكذا يستطيع الفرد أن يقود مجتمعه البشري بسهولة ويسر, عبر سلاح المادة.
إن البشرية اليوم قد أدركت أبعاد هذا السلاح, لهذا قامت بزيادة حاجات الفرد للاستهلاك من جهة, وقامت بالسيطرة عليه, عبر التحكم بموارده من جهة أخرى. وهكذا سقط الإنسان بسهولة ويسر في فخ الاستهلاك المادي, الذي استهلك قيمه, وذوقه, وفنه. وبالتالي اتجهت صناعة الفكر نحو الذرائعية, وحب الملكية, وشهوة التسلط والاستزلام.
لقد قال ماركس: إن رأس المال جبان!! لكن الحياة الحالية قد أثبتت أن رأس المال, منحط وسافل, إذا تملكته الذرائعية المتسلطة, التي تستبيح كل شيء.
إن علم صناعة الفكر في الحقل الفلسفي والروحي, البعيد جداً عن قوّة التحكم المادي, ما هو إلا علم ناقص, يستهلك عقل الإنسان كما تستهلك المادة روحه. لكن كان على البشرية أن تمضي في طريقين متعاكسين, طريق الروحانية البعيد عن قوّة التحكم المادي, بهدف سبر أغوار العقل والروح, بغية إدراك قيمة المادة في تجسيد وحدة وعظمة العقل والروح في التجلي عبر الفرد. وطريق المادة الذرائعية الغولة المستبيحة لكل شيء, حتى ذاتها, لتعرف مدى حاجتها إلى القيم الروحية والفلسفية الإنسانية.
وأضافت منيرفا قائلة : وكان عليّ أن أترك البشرية لمعرفة حاجتها الماسة, لروحنة المادة, عبر هذا الانهيار, لتتعلم قيمته في أجيالها القادمة.
قالت ديميترا : لهذا وجد اله الحرب الفرصة له سانحة ليستبيح دماء العالم.
محاكمة اريس
إله الحرب
ثم وجهت ديميترا حديثها للآلهة قائلة : أيها السادة الأجلاء, جميعنا يدرك أن الموت صفة ملازمة للوجود, فإذا كان هكذا, فلماذا نحوّل الموت إلى تنكيل &