العطاء

 

قال الضرع للبقرة : أي أمي لقد حاق بي الجفاف من كل جانب ولم أعد قادراً على العطاء… فيا خجلي منك… ما قيمة البقرة وقد جف ضرعها ؟.

وقال الكاهل للثور : أي أبي .. لقد تهشمت عظامي..! ولم أعد قادراً على جر النير… فما قيمة الثور إذا عجز عن جر النير؟.

وقالت الأرض للسماء: أي أبتي.. لقد فسدت تربتي.!. ولم أعد قادرة على الإنبات ..  فما قيمتي إذا عجزت عن العطاء .

وصاح الممكن مستغيثاً بالإمكان : أي أبي …  لقد تمت مصادرة ممكناتي .. فما قيمة الوجود إذا حال حائل بين الممكن وممكناته.

 

أجابت السماء مبتسمة : قدر الثور أن يجر النير… وقدر البقرة أن ينبع نهر العطاء من ضرعها… وقدر الوجود أن يسفر دائماً عن وجهه عبر الممكن… وقدر الزمان أن يسير على الدوام بين محطات  سنين الخير والسنين العجاف . في محطات الخير يتساوى الفاضل والمفضول , فكل ما يأمله الإنسان يصبح ملك بنانه… عندها يفقد العطاء قيمته طالما تجود السماء بما يزيد عن حاجة الإنسان .

إن العطاء في سنوات الخير قد يشوبه حب الجاه والتميّز وهذا العطاء أسوء بكثير من البخل . لكن عندما يمر قطار الزمن في محطات سنوات العجاف يختفي حب الجاه وتصاب النفس في حمّى جمع المال حتى لو سرقت لقمة العيش من فم الجياع . أو داست على البشرية في سبيل القوّة والنفوذ . هنا تنتشر الرذيلة وتختفي الفضيلة وتعم شريعة الغاب .

 

في هذه المحطة يعاني أهل الفضيلة شتى أنواع العذاب . لأنهم أهل عطاء في زمن القحط والجوع . والجحيم هو أن تصادر العطاء من بين يدي أهل الخير والفضيلة .. هنا لا يجدون سوى الموت أو البحث عن مصدر جديد للعطاء .!. فتمتد أيديهم إلى أرواحهم وأجسادهم يضحّون بكل شيء علّهم يحافظون على حياة وجودهم , وهنا يتحول العطاء إلى سم زعاف وتتحول الفضيلة إلى حمّى نيران كاوية… فالبشرية الهائمة على وجه ضعفها تسلب كل عطاء ثم تسير بقدمي هيجانها كالفيلة ، مدمرة كل مصدر عطاء.

 

وكما تنفخ البقرة ألماً عندما يدر ضرعها… وكما يلهث الثور تعباً من جر النير… تتأجج نيران الألم والحزن في أرواح ونفوس أهل الفضيلة . فيتساقطون على دروب الخير والعطاء واحداً تلو الآخر . حتى يشعر الإنسان أن الجحيم قد احتل الأرض والسماء .

عندها تسفر السماء عن حقيقة عظمة تجلي المطلق بالعاجز، وعظمة تجلي اللامحدود بالمحدود… فما بالكون إلا الله.!.

ثم قالت السماء بصوت واعظ واضح : إني قادرة على أن أبني لكل منكم قصوراً من ذهب وأني قادرة على إبداع آلاف آلاف ما ترغبون وقادرة على إغنائكم لملايين ملايين الحيوات والسنين , وهذا لا ينقص من ملكي جناح بعوضة . لكن تأملوا هل سيكون لوجودكم تحت هذا الغنى  قيمة ؟.!.

 

ثم أردفت السماء بصوت حنون قائلة : اعلموا يا أبنائي أن جناح بعوضة من عطائكم في عجزكم هذا يعادل ملك السماء لملايين السنين .

سألت الأرض السماء بحزن : لمَ القدر قاهر وظالم ؟.

أجابت السماء : للوجود موضوعان , موضوع فردي هدفه اختبار الفرد للكينونة والآخر وجودي يسفر به الوجود عن جوهر مبدعه . الظلم والقهر يتجليان عند تعارض الموضوعين . الحكيم الحقيقي هو الذي يجعل موضوع الوجود هو موضوعه الشخصي .. لذلك قال الحكيم ارمِ بنفسك تحت أقدام معلمك .

أضافت السماء : إن للألم مظهران , مظهر ناجم عن عدم تحقيق هدف شخصي وألم ناجم عن عدم تحقيق هدف روحي, وهذا الألم صلاة وابتهال وسمو ورقي . لقد قال الحكيم إن القلب الخالي من العشق وآلامه لهو حفنة ماء وطين .

قالت الأرض : سمعت من يقول : بعضهم يستجدي الألم للخلاص  لكن طريق الفرح اسمى واجدى . لم لا يلغى درب الألم ويعمم طريق الفرح ؟.

أجابت السماء مبتسمة : متى وجدت الأمهات يلدن دون ألم وصراخ . ومتى كان جر النير لا ينهك كاهل الثور. ومتى كانت النار برداً وسلاماً على الأجساد. ثم أردفت السماء بصوت حنون يا بنيتي إن الألم واللذّه وجهان لعملة واحدة . فإن سقط أحدها سقط الآخر.

لكن آلام العشق وآلام تجلي الحقيقة تمنحان ولادة روحية لتجلي صفة إبداعية , وهذا الألم هو رحم الولادة السماوية,. أما كل ما عداه ما هو إلا صراخ أطفال على فقدانهم لألعاب بالية .

سألت الأرض :  صفي وحددي لي ماهّية الألم ؟

أجابت السماء: كل ما يحول دون الإنسان وغايته هو ألم .

سألت الأرض : وما الفرح  ؟

أجابت السماء : كل ما يقربك أو يوصلك من الغاية هو الفرح . عندما تكون الغاية آنية ، يكون الفرح آنياً ، وعندما تكون الغاية حقيقة مطلقة يذوب الإنسان في سعادة العلي الأعلى التي لا توصف .

سألت الأرض : من أين تنبع الغاية ؟

أجابت السماء : من مبدأ معاينة الذوات للذات المطلقة ، حيث تسعى الذوات لمعاينة غاية الغايات .

سألت الأرض : وما الغاية ؟

أجابت السماء : يبقى الوجود السرمدي هو الغاية وفيض الخير هو الوسيلة والألم واللذة هما القرب والبعد عن جوهر غاية الغايات .

سألت الأرض : وما الحب إذاً ؟ .

أجابت السماء : إنه لحمة الوجود . لقد جاء في أساطير اليونان أن الممكن كان يقبع في رحم الترتار أي الإمكان وكان كئيباً حزيناً حيث لا هدف ولا غاية . ومن حزن وكئابة الترتار جاء الحب وانفصلت الذوات عن الذات وراح الحب يسبل على الوجود وحدته وتآلفه , فاهتاج الحنين وأضاءت سبل معارج الذوات. وأصبح الحب براق المحب الذي عبره يسبر أغوار المعشوق الأزلي ودون هذا البراق لا معراج للذوات .

سألت الأرض : لمَ يجتمع الحب والألم ؟

أجابت السماء : في الألم يتوجه الوعي نحو الوعي الفردي فاصلاً الفرد عن الكل . إن النفوس الإلهية الزكية هي التي يعجز الألم عن فصل وعيها الفردي  عن الوعي الكلي ,هنا تحقق النفوس منازلها .

إن خير مثال لاتحاد النفوس الإلهية الزكية مع الحب الأسمى هو الحلاج الذي قال عند تقطيع أوصاله وصلبه : الحمد لك مولاي أصبحت في دار الرغائب أنظر إلى دار العجائب !.

كذلك المعلم الأقدس السيد المسيح الذي صلى لصالبيه قائلاً : أبي أغفر لهم إنهم لا يعرفون ماذا يفعلون !.

 

الحقوق محفوظة   شمس الحقيقة    غسان بركات   296156  16  00963 

 للاتصال  Email :mailto:barakat@sunoftruth.com  

الصفحة الرئيسية     الدليل