قراءة في كتاب حكمة قديمة
مقتطفات من سِفْر كيو تي الشريف
توضيح
تُدعى المقتطفات التي يقوم عليها هذا البحث، والتي تتشرف معابر بنشرها
مترجمةً لأول مرة إلى العربية، "سُوَر دزِيَن"
Stanzas of Dzyan.
وهي تتألف من قسمين أساسيين: القسم الأول يدعى "التطور الكوني"
Cosmic Evolution؛
فيما يُدعى القسم الثاني "نشأة الإنسان"
Anthropogenesis.
ونشير هنا إلى أن هـ.ب. بلافاتسكي كانت أول من عرَّف العالم بوجود هذا السِّفر في
أواخر القرن التاسع عشر. فقد بنتْ عليه كتابها الرائع العقيدة السرية، حيث
تحدثت عن أصل الكون والمنظومة الشمسية وتطورها عبر مراتب وجودها، وعن نشأة الإنسان
وتفتحه عبر ذرِّياته المتتابعة، وعن الأصل المشترك لجميع الأديان.
على
هذا السِّفر، في محاولة متواضعة للربط بين الأسطورة والعلم، بنينا محاولة بحثنا
هذا، حيث...
جاء
في مقدمة إنجيل يوحنا:
في البدء كان الكلمة،
والكلمة كان عند الله، والكلمة كان هو الله...
إنجيل القديس يوحنا
1: 1
1
وأيضًا، جاء في الحديث النبوي الشريف: "كان الله ولا شيء معه يوصف بالوجود...".
وتذيِّل الصوفية ذاك الحديث الشريف بقولها: "... وهو الآن على ما عليه كان".
وأيضًا، قال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية أنْ:
... لو علمتَه لم يكن هو
ولو جهلك لم تكن أنت
فبعلمه أوجدك
وبعجزك عبدته
فهو هو لهو، لا لك.
وأنت أنت لأنت – وله!
فأنت مرتبط به،
ما هو مرتبط بك.
الدائرة – مطلقةً –
مرتبطة بالنقطة.
النقطة – مطلقةً –
ليست مرتبطة بالدائرة.
نقطة الدائرة مرتبطة بالدائرة...
ونبدأ من هنا:
... نبدأ من تلك النقطة التي تتراجع عندها
[كما
يقول الروائي السرَّاني بَلْوِر ليتُّون] الأجنحة المثقلة للمعرفة المعاصرة، حيث
يمتلك بعضهم [ربما]، بكلِّ تواضع، بعض العناصر المشتركة للمعرفة، التي
يحتقرها اليوم مدَّعو العلم بوصفها خرافات، بسبب عجزهم عن سبر أغوارها اللامتناهية.
ونبدأ من الأسطورة...
وإن
شئنا أن نكون أكثر شاعرية، كما قالت هـ.ب. بلافاتسكي في نهاية القرن التاسع عشر،
نبدأ من
-
...
كتاب قد يكون حقيقيًّا. يقال إنه موجود في مكان ما من هذا المسكونة الواسعة. كتاب
يبلغ من القِدَم حدًّا يقف علماءُ الآثار أمامه، إن أتيح لهم التمعن في صفحاته مدة
لامتناهية، عاجزين على الاتفاق حول طبيعة المادة التي كُتَِب عليها...
-
...
كتاب متوفر فقط في نسخة وحيدة...
-
...
مغرق في القدم، كانت صفحاته، ربما، من أوراق النخيل التي عولجت بطريقة أضحت اليوم
مجهولة، فأصبحت لا تتأثر بعوامل الماء والهواء والنار...
-
...
على صفحته الأولى رسمٌ لقرص ناصع البياض وسط خلفية سوداء داكنة. يليه، على الصفحة
الثانية، نفس القرص، وقد أضحت تتوسَّطه نقطة. يليه على الصفحة الثالثة نفس القرص،
وقد تحوَّلت النقطة التي تتوسَّطه إلى خطٍّ أفقي...
يشير الرمز المرسوم في الصفحة الأولى، ربما، من خلال الدائرة الناصعة البياض
وخلفيتها، إلى الكون الكامن في قلب الأزل قبل انبثاق الطاقة؛ وحدوده تشير، ربما،
إلى حدود معرفتنا. والرسم الذي يلي، قد يشير، من خلال النقطة، إلى تلك النطفة التي
لم تتمايز بعد، فتتحول من بعدُ إلى خليقة، أضحتْ ممثَّلة رمزًا، من خلال الرسم
الثالث، بخطٍّ أفقي، يمثِّل كوننا المنبثق من العدم.
ونحلِّق في الخيال مع ما تفترضه الحكمة التيبتية...
2
غيب الغيب أو... ما قبل الخليقة
يقول الكتاب التيبتي:
1.
كانت
الوالدة الأزلية، متسربلةً بأثوابها المستترة أبدًا، قد هجعت من جديد لسبع أبديات.
2.
الزمن لم يكن؛ إذ إنه كان يرقد هاجعًا في الحضن اللانهائي للدهر.
3.
العقل الكلِّي لم يكن؛ إذ لم تكن كائنات سماوية موجودة لتحتويه.
4.
الطرق السبعة إلى الغبطة لم تكن. وعللُ الشقاء العظيمة لم تكن؛ إذ إنه لم يكن من
أحد يتسبَّب فيها أو يقع في حبائلها.
5.
وحدها كانت الظلمة تملأ الكلَّ غير المحدود، لأن الأب والأم والابن عادوا واحدًا،
والابن لم يكن قد استيقظ بعد من أجل العجلة الجديدة ومن أجل رحلته فيها.
6.
والأرباب السبعة الأجلاء والحقائق السبعة كانت قد انعدمت [كفَّتْ عن الوجود]،
والكون – ابن الضرورة – كان غارقًا في الغبطة العليا، لكي يختنق بما كان، ومع ذلك
لم يكن. وكان العدم.
7.
وعلل
الوجود كانت قد أُزيلت؛ والظاهر الذي كان، والمستتر الكائن، كانا راقدين في
اللاوجود الأزلي – الوجود الأحد.
8.
وحده
شكل الوجود الواحد كان منبسطًا بلا حدود، لانهائيًّا، بلا علَّة، غارقًا في نوم بلا
أحلام؛ وكانت الحياة تنبض غير واعية في الفضاء الكلِّي، عبر ذلك الحضور الكلِّي
الذي تدركه العينُ المنفتحة للنفس المطهَّرة.
9.
ولكن، أين كانت النفس المطهَّرة حين كانت النفس الكلِّية المحيطة بالكون في الحق
المطلق وكانت العجلة الكبرى بلا والدة؟
<تعليق>
نحن، إذن، أمام نصٍّ غامض؛ نصٍّ مغرق في القدم إلى حدٍّ نتجاوز من خلاله الزمان؛
نصٍّ يقول لنا إنه...
في
مكان آخر من هذه الأرض، وفي زمان آخر لم يوجد، ربما، كان الإنسان، كما سبق وقرأنا،
يحلم بالمطلق والعدم، باللازمان واللامكان؛
كان
يتخيل الكمون، حيث كان كلُّ شيء ولم يكن؛
كان
يتساءل عن طبيعة الزمن وعن البداية؛ ووحيٌ كان، من حيث لا يدري، يجيبه أن الزمان
ليس سوى حلم ناتج عن تراكُم حالات وعيه؛
وكان يتساءل عن الوعي؛ ووعيه، كما كان يتلمَّس، كان، ربما، تلك اليقظة التي دفعتْه
إلى التساؤل، ذلك الحنين اللامتناهي المحيط بكلِّ شيء، وتلك الإرادة التي جعلتْه
يسعى إلى المعرفة التي أضحت مبرِّر وجوده؛
وكان يتساءل عن تلك المعرفة التي أضحتْ دربه إلى الغبطة، وعن طرقها السبع التي
ستعيده من الوجود، أو لنقل من حالته الحالية، إلى العدم، إن لم نقل إلى حالته
البدئية؛
وبعين قلبه، كان يرى أن هذه البداية كانت مطلقًا–عدمًا، كانت كمونًا. ولكن...
هل
كان في وسعه فهم "المطلق" أو "العدم"؟ أو حتى فهم ما يعنيه "الكمون"؟
يقول الفيزيائي الكبير جون أ. ويلر:" كلُّ ما نعرف إنما ينبع من محيط لامتناهٍ من
الطاقة التي تشبه في شكلها العدم..."، حيث، عند ذاك الجدار الذي دعوناه بـ"جدار
بلانك"، وعند ذلك الزمان الذي حدَّده بلانك بـ
-1034
من الثانية الأولى تتوقف حدود معارفنا – عند تخوم الميتافيزياء. ولكن...
عمَّ تتحدث فيزياؤنا التي عادت اليوم إلى الإقرار بما يتجاوزها؟
إنها تتحدث عن مفهوم جديد للفراغ، يدعى بـ"الفراغ الكوانتي". فالحقيقة هي أنه ليس
في وسع الفيزياء – أية فيزياء – أن تتصور، بحكم طبيعتها، وجود فراغ مطلق، لا مادة
فيه ولا طاقة. جل ما في وسع فيزيائنا الكوانتية تصوره، من خلال ما تفترضه توازن
المادة، هو وجود طاقة كامنة في وسعها أن تتحول إلى مادة؛ كتلك الطاقة الدافعة لتلك
الإلكترونات التي تبدو وكأنها تنبثق من العدم. ولكن التساؤل يبقى بلا جواب عند
تجاوز هذه الحدود. والتساؤل الأساسي يبقى، وبإصرار يردِّد...
3
أين كان؟!...
حيث
يتابع الكتاب التيبتي متسائلاً:
1.
[...] أين كان البُناة، أين كان الأبناء النيِّرون للفجر الكَوْري؟ [كانوا] في
الظلمة المجهولة لغبطتهم السماوية العليا. أما صانعو الشكل من اللاشكل – أصل العالم
– أمِّ الآلهة والجوهر الأم، فكانوا راقدين في غبطة اللاوجود.
2.
[...] أين كان الصمت؟ أين كانت الآذان الحاسَّة به؟ لا، لم يكن صمت ثمة ولا صوت؛ لا
شيء إلا النَّفَس الأزلي المتواصل، الذي لا يعرف نفسه.
3.
لم
تكن الساعة قد حانت بعد؛ والشعاع لم يكن قد وَمَضَ بعدُ في البذرة؛ ولم تكن
السِّدرة–الأم قد حبلت بعد.
4.
لم
يكن قلبُها قد انفتح بعدُ لكي يلجه الشعاع، فيسقط بذلك، كما الثلاثة في الأربعة، في
حضن الوهم.
5.
لم
يكن الأبناء السبعة قد ولدوا بعدُ من نسيج النور. وحدها الظلمة كانت الأب–الأم،
الجوهر–الأصل؛ والجوهر–الأصل كان في الظلمة.
6.
هذان
الاثنان هما البذرة، والبذرة واحدة. والكون كان ما يزال مستترًا في الفكرة الإلهية
والرحم الإلهي. [...]
<تعليق وتأمل>
فربما كان ما يختبئ خلف "جدار بلانك" هو شكل من أشكال الطاقة البدئية اللامتناهية.
ربما كان ما يسود ويوجد قبل بدء الزمان، الذي نعرفه من خلال نسبيَّته، هو تلك
اللانهاية، إن لم نقل ذلك الزمان الكلِّي الذي لا بداية له ولا نهاية. ولكن، ما
معنى هذا كله؟!
لسنا ندري! وقطعًا، لن يكون في وسعنا أن ندري!
ومع
هذا، نثابر في محاولتنا لفهم الأمور. وأداتنا الآن هي كتاب حكمة قديم: كتاب غريب من
حيث تعبيراته ومعانيه، مثله في ذلك كمثل سائر كتب الحكمة القديمة. ونتوقف هنا
قليلاً لنحاول بعض الشيء تلمُّس ما قد تعنيه بعض تلك التعبيرات المستعملة من معانٍ.
فـ"الوالدة الأزلية"، التي هي المسبِّب والأصل، قد تكون هي المادة البدئية؛ تلك
التي كان يدعوها الهندوس بـمولابراكريتي
Mulaprakriti.
وذلك الغيب المتجدد، ذلك العدم المطلق الذي عاد المسبِّب والأصل إليه لسبع أبديات،
قد يكون، انطلاقًا من الميثولوجيا الهندوسية نفسها، ذلك العصر الكبير الذي يدعوه
الهندوس بـ"المنفنترا"
Manvantara،
الذي مدته 910311040 سنة، أو لنقل مئة من "سني براهما"؛ ما قد يعني اللانهاية، حيث
لم يكن يوجد أي زمان.
فالزمان، كما سبق وأشرنا، قد لا يكون سوى حالة من حالات وعينا، بين ماضٍ انقضى
ومستقبل نحلم به، وحيث الحاضر، الذي هو الغالب فعلاً، لا وجود له في الواقع.
فالوجود الكلِّي، الذي هو الوعي الكلِّي، كان غائبًا آنذاك في ذلك العدم، قبل أن
يعاود الظهور من جديد حين تأزف ساعته، أي حين يعود فيغدو "ضرورة" من جديد.
لأن
العدم المطلق – ذلك الغيب الذي ليس في وسعنا التعريف به، ذلك النَّفَس الأزلي
المتواصل الذي لا يعرف نفسه – كان، كما جاء في الكتاب، راقدًا في غبطة اللاوجود.
ولكن...
هل
ما يقصده السِّفر التيبتي، حين يتكلم على ذلك النَّفَس الأزلي غير الواعي لذاته، هو
ما ندعوه في لغاتنا الحديثة بـ"اللاوعي"؟
ونستذكر هنا ما قاله هيغل ذات يوم، متفكرًا في معضلة الحقيقة، أنه ما كان في وسع ما
ندعوه باللاوعي أن يفعل ما فعل، أن يقوم بتلك المهمة العظمى، لو لم تكن غايته هي
الوجود في حدِّ ذاته ولذاته. فإذا كان الوعي هو الغاية، عندئذٍ يكون ذاك الذي ندعوه
"لاوعيًا مطلقًا" هو نفسه "مطلق الوعي".
لعلنا نعرِّف الماء بعد وصفه بالماء – ربما. ولكن، مع ذلك...
تبقى تلك الحقيقة المتمثلة بالوجود. ويبقى كلُّ ما سواها متجاوزًا فهمنا. حيث ليس
في وسع المحدود، قطعًا، استيعاب ما لا حدود له بوسائطه العقلية، مهما بلغت. ولكن...
ربما تبقى إمكانية التواصل. والتواصل، كما نعلم، هو حالة صوفية!
ونتابع، من خلال ذلك السِّفر، في حال هي في الحقيقة حال تواصل، على الرغم مما قد
تعكسه من عقلانية. وعقلانيته، ربما، هي التي وصفت الكون–الخليقة بـ"ابن الضرورة"؛
أي بتلك الحتمية التي كانت تنتظر ساعتها في قلب الكمون، بالبذرة المستورة في رحم
الفكرة الإلهية.
4
الانفطار البدئي أو... الخليقة
ويتابع السِّفر التيبتي قائلاً:
1.
[...] ويرتعش الاهتزاز الأخير للأبدية السابعة عبر اللاتناهي. وتنتفخ الأم، منبسطة
من الداخل إلى الخارج، مثل برعم السِّدرة.
2.
ويجتاح الاهتزاز كلَّ شيء، لامسًا بجناحه السريع الكونَ كلَّه والبذرةَ القابعة في
الظلمة: الظلمة التي تتنفَّس فوق المياه الغافية للحياة. [...]
3.
وتشع
الظلمة نورًا، ويلقي النورُ بشعاع وحيد في الغور–الأم. ويخترق الشعاعُ البيضةَ
البكر. ويجعل الشعاع البيضة الأزلية ترتعش، وتنبذ البذرةَ غير الأزلية، التي
تتكثَّف مكوِّنةً بيضة العالم.
4.
ثم
تسقط الثلاثة في الأربعة. وتصير الماهية المشعة سبعةً في الداخل، وسبعة في الخارج.
والبيضة المنيرة، التي هي ثلاثة في ذاتها، تتخثَّر، وتنتشر خثراتٌ في بياض اللبن
عبر أغوار الأم، الجذر النامي في أعماق محيط الحياة.
5.
ويبقى الجذر، والنور يبقى، والخثرات تبقى، ومع ذلك يبقى أب–أم الآلهة واحدًا.
6.
وكان
أصل الحياة في كلِّ قطرة من محيط الخلود، والمحيط كان نورًا مشعًّا، كان نارًا
وحرارة وحركة. ثم تلاشت الظلمة ولم تعد موجودة؛ وتوارتْ في ماهيتها عينها، جسم
النار والماء، أو الأب والأم.
7.
فتأمَّل، أيها المريد، ابنَ الاثنين المشع، المجدَ السَّنيَّ الذي لا نظير له:
الفضاء المشرق، ابن الفضاء المظلم، الطالع من أعماق المياه المظلمة العظيمة. إنه
أب–أم الآلهة الصغرى، الـ***. إنه يتلألأ كالشمس؛ إنه تنين الحكمة الإلهي الوهَّاج؛
الواحد أربعة، والأربعة تتخذ لنفسها الثلاثة، والاتحاد يلد السبعة، وفيها السبعة
التي تصير ثلاثين (أو الجحافل والآلاف المؤلَّفة). تأمَّلْ فيه يرفع الحجاب، وينشره
من الشرق إلى الغرب. إنه يحجب الأعلى، ويترك الأسفل ظاهرًا بوصفه الوهم الأكبر. وهو
يحدِّد مواقع الكائنات البهية، ويحوِّل الأعلى إلى بحر من نار لا ساحل له، ويحوِّل
الجزء المتجلِّي إلى مياه عظيمة.
8.
أين
كانت البذرة وأين أمست الظلمة الآن؟ أين روح اللهب المتقد في مصباحك، يا أيها
المريد؟ إنما ذاك هو البذرة، وذاك هو النور، الابن الأبيض الساطع للأب الأسود
المستتر.
9.
النور هو اللهب البارد، واللهب هو النار، والنار تولِّد الحرارة، التي تستحيل ماءً:
ماء الحياة في الأم الكبرى.
10.
ويحوك الأب–الأم نسيجًا يتَّصل طرفُه الأعلى بالروح – نور الظلمة الواحدة – وطرفه
الأسفل بنهايتها الظليلة، المادة؛ وهذا النسيج هو الكون المحوك، من الجوهرين اللذين
صارا جوهرًا واحدًا، هو الجوهر–الأم.
11.
إنه
ينبسط حين يعتليه نَفَسُ النار؛ وينقبض حين يلامِسَه نَفَسُ الأم. وحينئذٍ ينفصل
الأبناء ويتباعدون، ليعودوا إلى رحم أمِّهم في نهاية "اليوم العظيم"، ويصيروا
واحدًا وإياها من جديد؛ فحين يبترد، يصير مشعًّا، وينبسط الأبناء وينقبضون عبر
ذواتهم وقلوبهم، فيعانقون اللانهاية.
12.
وعندئذٍ يبعث الجوهر–الأم بالدوامة النارية لتُصلِّب الذرات – وكلٌّ منها جزء من
النسيج. وإذ تعكس – كالمرآة – "الربَّ الواجب الوجود بذاته"، فإن كلاً منها يصبح
بدوره عالَمًا.
<تعليق من منطلق نظرتنا المادية إلى الأمور>
في
العام 1951، أعلنت الكنيسة الكاثوليكية أن نظرية الانفطار البدئي، أو الـBig
Bang،
لا تتعارض مع ما تورِدُه الكتب المقدسة رمزًا حول الخليقة. ونظرية الانفطار البدئي
هذه هي أكثر النظريات التي تفسِّر نشوء الكون شيوعًا وقبولاً اليوم. فما الذي
تفترضه هذه النظرية؟
تنطلق نظرية الانفطار البدئي، كما يصفها ستيفن هوكنغ، من فرضيات الفيزيائي فريدمان
التي تقول إنه، في لحظة معينة من الماضي، قبل ما يقارب الـ20 مليار سنة، حصلت نقطة
انقطاع un point de rupture:
نقطة توصلت إليها الحسابات والتحليلات التي تقول إن المسافة بين المجرَّات (التي
نفترضها هنا مجازًا) كانت عند ذاك تُقارِب الصفر. وبالتالي، كانت كثافة الكون
والتابع المعبِّر عن الزمان–المسافة عند ذاك لامتناهيين.
وهذه النظرية، يؤكدها نسبيًّا عمر النجوم؛ كما يؤكدها، حتى الساعة، تباعُد المجرات
بعضها عن بعض؛ وأيضًا وخاصةً، تؤكدها تلك المستحاثات الشعاعية التي تمَّ اكتشافها
في العام 1965 في مختلف أنحاء الكون والمشابهة لتلك التي تبثها الأجسام عند درجة
حرارة 3 تحت الصفر المطلق، وهي ما تبقَّى اليوم مما انطلق من حرارة رافقت لحظات
الكون الأولى. ونستعرض، بإيجاز شديد، ما تفترضه هذه النظرية للحظات الكون الأولى...
عند
الجزء
-1053
من الثانية الأولى، تمايزت القوة النووية الكبرى، تلك التي تؤمِّن تماسُك النواة
الذرية، عن القوة الكهرضعيفة (أي تلك الناتجة عن انصهار القوة الكهرمغناطيسية
والقوة المتحلِّلة المشعة)؛ وكان قطر الكون قد أضحى 300 متر.
وعند الجزء
-1011
من الثانية الأولى، انشطرت القوة الكهربائية الضعيفة إلى قوتين متمايزتين هما: ما
نعرِّفه بتداخل القوة الكهرمغناطيسية والقوة الضعيفة، فتمايزت الفوتونات عن
الكواركات والغلوونات واللبتونات، وتشكَّلتْ القوى الأساسية الأربع.
ويستمر التمايز: فعند الأجزاء ما بين الـ-1011
و-105
من الثانية الأولى اتحدت الكواركات مع النترونات والبروتونات، وبدأت مكِّوناتُ
كوننا الحالي بالتشكُّل. ويستمر الكون في التمدد. ولكن...
هل
أضحت فرضية الانفطار البدئي حقيقة علمية غير قابلة للنقاش؟ الجواب هو لا... لأن تلك
النظرية التي تفترض تمدُّد المادة وتشكُّل الكون من نقطة تُقارِب العدم إنما تجد ما
يقابلها ويوازيها في الواقع من خلال ما يقدِّمه العلماء من تفسيرات للثقوب السوداء،
حيث تتقلص المادة، في المقابل، وتعود إلى ما يشبه العدم.
كذلك، في نقاشه لنظرية الانفطار البدئي، يتحدث ستيفن هوكنغ في كتابه المبسَّط
قصة قصيرة للزمن عن تلك المحاولة النظرية التي قام بها في العام 1948 العلماء
هرمان بوندي وتوماس غولد من النمسا وفريد هويل من إنكلترا، التي سمِّيت بنظرية
"الكون المستقر". وهذه النظرية تستند إلى فكرة تقول إنه مع تباعُد المجرَّات بعضها
عن بعض، تتشكَّل تشكلاً دائمًا ومستمرًّا مجرَّاتٌ جديدة، مما يجعل الكون لا يتغير
عمليًّا. لكن هذه النظرية دُحِضَتْ وأُهْمِلَتْ من بعدُ.
ثم
كانت محاولة أخرى قام بها العالمان الروسيان ليفشيتس وخلاتنكوف في العام 1963،
اللذين رفضا تلك الحالة الخاصة من نماذج فريدمان، وافترضا، عوضًا عن الانفطار
البدئي، وجود حالات تقلُّص وتمدُّد للكون الذي نحيا فيه، ثم تراجعا في العام 1970
عما ذهبا إليه. ولكن أهمية ما تقدَّما به يمكن تلخيصه في تلك الفرضية التي تقول إن
الكون يمكن أن يكون ناجمًا عن حالات خاصة كالانفطار البدئي – إن صحَّتْ نظريةُ
النسبية العامة. وتلك النظرية، كما يقول هوكنغ، غير كاملة لأنه ليس في وسعها أن تصف
لنا كيف بدأ الكون، ولأنه، عند هذه اللحظة بالذات – عند لحظة البدء، كما عند لحظة
النهاية المتمثلة بالثقوب السوداء – تنهار جميع النظريات، كما قال محقًّا ستيفن
هوكنغ. ولا يبقى أمامنا سوى العودة إلى...
<تأملاتنا الميتافيزيائية>
ونمعن النظر من جديد فيما أورده كتاب حكمتنا التيبتي من مفهوم للخليقة
Cosmogénèse،
من خلال ما سبق أن عرضناه.
فنسجل كيف تقسم الفلسفة البوذية تلك اللانهاية الواحدة إلى قسمين: القسم الأول غير
مقيد، واحد وشامل، هو ما يدعونه بـكالا
Kala؛
والقسم الثاني، ذلك المقيَّد، الذي يقصده كتابُنا حين يتحدث عن الأبدية السابعة،
وتدعوه فلسفتُهم بـكانداكالا
Kandakala.
وأيضًا...
نسجل، من خلال ذاك السِّفر، ذلك التصور الرائع للمسيرة الأزلية للواحد الأحد، بين
ما يُفترَض أنه حالات يتناوب من خلالها اللاوجود والوجود: حيث حالات اللاوجود هي ما
يدعونه بـ"ليالي براهما" – تلك "الليالي" حيث يرقد الكمون الإلهي. وأيضًا...
من
هذا اللاوجود، من تلك الظلمة اللامتناهية التي يعبَّر عنها أيضًا، كما في كتب حكمة
قديمة أخرى، بـ"المياه النائمة"، كانت البداية.
وتلك البداية، كما يصوِّرها سِفْرُنا، كانت تلاقح النور، الذي هو "الفكرة الإلهية"
التي وصفها إنجيل يوحنا بـ"الكلمة"، مع ذلك الكمون الذي أضحى "البيضة البكر".
ونسجِّل هاهنا أن هذه التصورات والتعبيرات عينها تتكرَّر في الكتب المقدسة للشعوب
الأخرى. ونسجل أيضًا أن هذا التصور قد يكون، على صعيد ماديتنا، شكلاً من الانفطار
البدئي أو الـBig Bang،
كما قد يكون ذلك العدم أو اللاوجود الذي سبقه شكلاً من الثقوب السوداء.
أما وقد بدأت الخليقة فإن ما تورِدُه السُّوَر حول "سقوط الثلاثة في الأربعة" إنما هو تعبير عن سقوط الروح في المادة، إن لم نقل اختراق ذلك النور (الذي هو الروح الإلهية) لخليقتها المتجسِّمة. فالثلاثة، بحسب جميع كتب الحكمة القديمة (ومن ضمنها كتابنا التيبتي)، هي التعبير الرمزي ال