
بدلاً
من معاينة الكوسموس اللانهائي في وسعك أيضاً أن تعاين الميكروكوسموس وتجد
مركزه. فالإنسان، إذ ينقِّب في أعماق نفسه، يستطيع أن يعثر على مركز
الكون.
كتابات باطنية، ص 560.
سبق
لنا أن درسنا الذات الدنيا، أو الشخصية، المؤلَّفة من الجسم المادي،
والجسم الأثيري، والجسم النجمي، والمركبة العقلية الدنيا. وسندرس الآن الذات
العليا، أو الفردية؛ وهي أيضاً مؤلَّفة من المركبة العقلية العليا،
والمركبة الإشراقية، والمبدأ الروحي Atma.
ولكن كلمتي "دنيا" (للشخصية) و"عليا" (للفردية) قد تؤديان إلى شيء من اللبس
في فكر بعض الدارسين الروحيين، لأنه في الحقيقة لا يوجد في الكون كلِّه، بما
فيه الإنسان، شيء "أعلى" له قيمة أكبر من شيء "أدنى"! فالذات الصغرى، أو
الشخصية، ليست شيئاً مهملاً، كما يتوهم بعضهم، بل له دور كبير؛ ولهذا نفضل
استعمال كلمة الذات "المؤقتة" أو "الزائلة" في حديثنا عن الذات الدنيا أو
الشخصية، وكلمة الذات "الخالدة" للكلام على الفردية أو الذات العليا. وتقسيم
الجسم الإنساني إلى أقسام لسهولة الشرح (رغم حقيقته الاهتزازية) يجب ألا
ينسينا أن الإنسان وحدة متكاملة.
إذا
اجتاز نورٌ عدداً من الألواح الزجاجية فبإمكاننا دراسة هذه الألواح منفصلةً
لنعرف كيفية تغيُّر كل لوح زجاجي لدى اجتياز النور له. والأمر نفسه بالنسبة
للوعي الواحد الذي يجتاز عدداً معيناً من الأجسام التي ندرسها بعد اجتياز
الوعي لها. ومع ذلك يبقى النور (أو الوعي) واحداً، مهما تعددت الأجسام أو
الألواح الزجاجية. والأسماء التي أُطلِقََت على الأجسام في هذه الدراسة هي
أسماء اصطلاحية ثيوصوفية. ولا تهم هنا الأسماء، لأن بعض الثيوصوفيين يستعملون
أسماء بوذية أو هندوسية، وحتى صوفية مسيحية أو إسلامية، في تسمية هياكل
الإنسان السبعة؛ ولكن الجميع متفقون على سباعية الأجسام والمستويات
الشمسية. والهدف من تعدد طرق التقسيمات يعود إلى أن مؤسِّسي الجمعية
الثيوصوفية لا يريدون أن يصيروا أصحاب عقائد محددة لا يُحاد عنها، فيقعوا في
الحرفية القاتلة وينسوا جوهر التعاليم الكونية. فليس المهم أن نقول "السماء"
أو "الجنة"؛ فكلاهما يشير إلى حالة روحية سندرسها لاحقاً.
من
هنا فإن المعلِّمين الحقيقيين يضعون تلامذتهم في تجربة التناقضات الظاهرية
لكي يساعدوهم على تجاوز عقلانية المستوى العقلي، المعتاد على إقامة المقارنات
بين الكلمات المسموعة آنياً وبين ما تعلَّمه سابقاً، ليبدأ لديه "تفصيل"
الكشف الروحي في دراساته المعتمدة. إن العقل الأدنى، كما رأينا، هو منبع
المقارنات. ويقول د. تيمني:
كل تناقض مقبول يُحدِث
شرخاً في صلابة العقل الأدنى، ويضفي عليه بعض الشفافية، ويهيِّئُه لرؤية
متكاملة كشفية وآنية للعقل الأعلى، وبالتالي إلى رؤية واحدة للنور
الإشراقي.
والآن
سنبدأ دراستنا للفردية الإلهية، النار الإلهية، أو اللوغوس الشمسي.
لقد
عرفنا أن مستويات النظام الشمسي هي (من الأعلى إلى الأسفل):
1. مرتبة
آدي.
2. مرتبة
أنوباداكا.
3. المستوى
الأتمي.
4. المستوى
البودِّهي أو الإشراقي.
5. المستوى
العقلي.
6. المستوى
النجمي.
7. المستوى
الجسماني، المادي.
ونقسم
هذه المستويات السبعة إلى ثلاث مجموعات:
1. المستويات
الإلهية: أدي، أنوباداكا، والمستويات التحتية العليا للمستوى الأتمي (الأتما
الإلهي).
2. المستويات
الروحية: المستويات الفرعية الدنيا للمستوى الأتمي (الآتما الروحي)، والمستوى
البودِّهي، والمستوى العقلي الأعلى.
3. المستويات الخاصة
بالشخصية: العقلي الأدنى، والنجمي، والجسماني.
ونذكِّر القارئ
أنه في الجدول التوضيحي رقم (1) يُطلَق على المستويات الثلاثة العليا للنظام
الشمسي أسماء: براهما، فاخ، وفيراج، والأربعة الدنيا
أسماء: إشراقي (بودِّهي)، عقلي (أعلى وأدنى)، نجمي، ومادي (أرضي)، أو
مستوى براكريتي (وهو المستوى الأخير بدءاً من الأسفل).

مستوى
أدي هو مستوى المنبع الإلهي، وهو قلب النظام الشمسي: فإذا تخيلنا صورة
الشمس المركزية، فإننا نستطيع القول إن مستوى أدي هو الشمس، وإن مستوى
أنوباداكا هو إشعاعات هذه الشمس، والمستوى الأتمي هو مستوى الآتما
الإلهية. وهذه المستويات الثلاثة هي الأوجُه الثلاثة للألوهة في النظام
الشمسي، أو الثالوث المقدس الذي نجده في كثير من الديانات.
تطلق
الثيوصوفيا على هذا الثالوث في المستوى المتجلِّي اسم سَتْ
Sat – تشيت Chit – آنندا Ananda:
الكينونة هو Sat،
الكائن؛ Chit هو الكائن عارفاً نفسه وعارفاً أنه كائن؛ Ananda هو
الوعي بالكينونة مترافقاً بالغبطة – أي العارف والمعروف والمعرفة: واحد في
ثلاثة أقانيم في التجلِّي، وليس آلهة متعددة، كما يتراءى لبعضهم – نظير الماء
الذي هو واحد، ولكن يمكن له أن يبدو لنا صلباً أو سائلاً أو بخاراً. والذي لا
يفهم الميتافيزياء فالأفضل له الاكتفاء بما يعرف وعدم الغوص في أعماق الروح.
لنفتح قوسين كي لا يدخل الاضطراب أو سوء الإدراك والتشويش إلى أذهان بعضهم عن
ماهية الثنائية duality التي
تحدثنا مطولاً عنها وعن الفرق بينها وبين الثالوث trinity.
لقد
تحدثنا عن الثنائية: الوعي والطاقة، أو الروح والمادة. إذاً فالثالوث، أو
الأقانيم الثلاثة للألوهة Sat-Chit-Ananda،
تفصح عن نفسها في كلٍّ من الوعي والطاقة. فالوعي له أوجُه ثلاثة على كلِّ
مستويات التجلي؛ والطاقة كذلك. ولكننا سندرس فقط حالات أوجُه الوعي. فالمطلق،
من خلال أقانيمه الثلاث – الكائن، الوعي، الغبطة – يتجلَّى إرادةً، ومعرفة،
وحكمة (أو محبة) في الفردية أو الثالوث الأعلى (آتما–بودهي–ماناس،
الروحي–الإشراقي–العقلي الأعلى)؛ أما في الشخصية أو الرباعي الأدنى، فالمثلث
يصبح معكوساً: المعرفة تصبح فكراً على المستوى العقلي الأدنى، والغبطة تصبح
لذة من خلال العواطف في المستوى النجمي، والإرادة تصبح رغبة محركة العقل في
المستوى المادي.
ولنوضح شيئاً
أساسياً في دراستنا للفردية: إن الجسم العِلِّي أو السببي causal
body هو بمثابة الغلاف الخارجي للفردية، مثلما أن الجسم المادي هو
الغلاف الخارجي للشخصية. ففي دراستنا أوضحنا أن الشخصية، أو الرباعي الأدنى
(الجسم المادي، الأثيري، النجمي، العقلي الأدنى)، تتحلل بعد الموت؛ أما
الفردية، أو الثالوث الأعلى (الجسم العقلي الأعلى، الإشراقي، الروحي)، فيبقى
خالداً ويتجسَّم باستمرار. والجسم العِلِّي هو مستودع الخبرات لكلِّ تجسمات
الإنسان السابقة، أو هو ثمرة هذه الخبرات التي تطبع جسم الإنسان ونفسَه
وطبائعَه من جديد عبر تقمص مستقبلي. فتنمية الجسم العِليِّ هي إيقاظ الخبرات
الكامنة فيه، كما أن الشجرة موجودة بأكملها في حالة كمون في البذرة. والجسم
العِلِّي ليس فقط مستودعاً للخبرات السابقة، وإنما أيضاً للكارما
Karma.
فالجسم العِليِّ يشبه الرصيد في البنك: هناك ديون يجب أن تُدفَع وأرصدة تضاف
إليه في كلِّ تجسم جديد. والجسم العِليِّ يحوي المعرفة الإلهية في حالة كمون.
ومع التطور الروحي تبدأ هذه المعرفة بالتجلِّي بازدياد نقاء الجسم العقلي
الأدنى ليعكس هذه المعرفة القادمة من الجسم العِليِّ إلى الدماغ المادي. أما
الجسم الإشراقي Buddhi فهو
مستودع للغبطة Ananda، أو
هي مركبة للوعي على هذا المستوى الإشراقي؛ وهو يتجلَّى بالمحبة والحكمة
والإدراك المتعالي. ويتطلب الأمر سنوات، لا بل حيوات عديدة للوصول إلى هذا
المستوى المتسامي. وأخيراً فإن الروح Atma هي
نواة الفردية، وهي مستودع الإرادة الإلهية التي لا نأخذ منها إلا بقدر ما
تستطيع مركباتنا أخذه، حسب درجة تطهرها ونقائها وشفافية اهتزازها. وهي أشبه،
كما يقول د. تيمني، بمحطة كهربائية تولِّد تياراً عالياً، لكنْ لا يصل إلى
"مصابيحنا" (أجسامنا) إلا القليل منه، لضعفها وعدم استطاعتها تحمُّل طاقة
كهربائية أشد وأقوى لأننا "لا نحصل إلا على ما نستطيع الحصول عليه".
***
مراحل
ما بعد الموت في هذا الجدول تتعلق بالأشخاص الذين يموتون ميتة طبيعية. أما
بالنسبة للمتوفين من جراء حوادث مفاجئة، والأطفال، وخاصة مَن لم يتجاوزوا سن
السابعة، والأشخاص الغائصين في أوحال الرذيلة والإجرام، فإن صيرورة الموت
تكون مختلفة بعض الشيء.
|
ملاحظات |
السيرورة |
حالة ما بعد الموت |
|
لا توجد أية
إمكانية للأنية الخاصة بالإنسان الميت في هذه المرحلة للاتصال مع
الأحياء، حتى ولو بواسطة وسيط روحي، باستثناء الأشخاص الذين يموتون في
حوادث مفاجئة. |
الذاكرة تفارق
الدماغ الفيزيقي. رؤية الحياة الماضية في اللحظات الأخيرة للنزع. |
النزع الأخير |
|
المحتضر يغيب عن
الوعي، والمبادئ الثلاثة الدنيا فيه تغادره (المبدأ أو الجسم المادي
والأثيري والنجمي). فقدان قدرات الإدراك للأبد وفقدان القدرات الروحية
والإرادة الخاصة. |
بعد الموت مباشرة | |
|
الإنسان يكون
لاواعياً في منطقة كاما لوكا Kama-loka في الغلاف
الجويِّ المحيط بكوكب الأرض. الصراع يبدأ بين المبدأين الرابع والخامس
وبين السادس والسابع للمحتوى الروحي في تجارب الحياة السابقة. |
"صراع" حتى الموت | |
|
هضم المحتوى
الروحي بواسطة الأنية Ego (جملة المبدأين
السادس والسابع) وتكون الأنية غير واعية.
|
الحمل | |
|
|
رؤية ثانية
للحياة السابقة. المبدآن الرابع والخامس يغادران الإنسان ليصير مجرد
صَدَفَة shell، والوعي يعود
ببطء وتدريجياً إلى الأنية التي تستعيد إدراكها، بينما الذاكرة الشخصية
تعود إلى الصَّدَفَة. (ولهذا السبب فإن الروح المزعومة التي تتحدث في
الجلسات الروحية ليست إلا الصَّدَفَة التي تحوز على الذاكرة الشخصية
للإنسان الميت لفترة زمنية معينة.) |
الدخول إلى ديفاخان |
|
تعود "علاقة" بعض
الأشخاص الأحياء مع ديفاخان إلى أنهم يستطيعون الارتقاء بوعيهم
وإدراكهم الروحي بدرجة كبيرة، وبالتالي يمكنهم الاتصال مع الأموات في
ديفاخان. |
يعود الوعي
كاملاً للأنية. حالة روحية تشبه الحلم. كل الأشياء والأشخاص الذين
يراهم الميت في هذه المنطقة هم من كان يخصُّهم بحبه في حياته على
الأرض. والإنسان الميت لا يعرف شيئاً عما يجري على الأرض. وهو يعيش
حالة من الغبطة والسعادة في هذه المنطقة التي تدعوها الأديان باسم
"السماء". |
ديفاخان |
|
نحن لا نستطيع
عادة تغيير طباعنا وعاداتنا بعد الموت؛ إذ يمكن ذلك فقط في عالم السبب
والنتيجة، أي في الحياة على الأرض. |
الأنية تغيب عن
الوعي من جديد في نهاية إقامتها في ديفاخان والشخصية الجديدة تبث
الحياة في الـ Skandha، أي المنازع
والطبائع الموجودة سابقاً في الإنسان الميت أو الأنية المتبقية منه.
ويمكن للإنسان أو الأنية الجديدة رؤية حياته القادمة قبل التجسم. |
الولادة من جديد |
ديفاخان Devakhan وما
بعد الموت:
ديفاخان، أو
منطقة سوخافاتي Soukhavati، هي
منطقة جاء ذكرها في التعاليم السرَّانية؛ وهي أشبه ما تكون بالسماء في
الديانات. وقد كُتِبَ عنها ما يلي:
وراء عالمنا توجد منطقة
الغبطة، وتدعى سوخافاني. هذه المنطقة محاطة بسبع أشجار تتمايل مع الريح. يشرف
على هذا المكان المقدس الدهِيَن تشوهن Dhyan
chohans [ملائكة]. وهو يحوي سبع بحيرات مدهشة تجري منها سبع مياه بلورية
شفافة ونقية، لها سبع خواص [المبادئ السبعة المنبثقة من مبدأ واحد]. إنه
ديفاخان. نهره المقدس يغطي الكلَّ، ومن يولد فيه فهو مغبوط، ولا يعود يكابد
ألماً أو حزناً، حتى يحين أوان عودته [إلى التقمص من جديد]. ولكن هناك من لا
يعودون منه. أولئك الذين اجتازوا كل مراحل التطور الروحية، الذين لن تعود
هناك فائدة لهم من التجسم من جديد.
في
ديفاخان تمتلئ النفس بغبطة الروحية لا يعكِّر صفوها أيُّ حزن أو ألم مادي أو
نفساني، لأن الإنسان، بعد انحلال أجسامه الأربعة الدنيا (المادي، الأثيري،
النجمي، العقلي الأدنى)، لا يبقى لديه إلا الثالوث الأعلى (العقلي الأعلى،
الإشراقي، الروحي) الذي يكون نقياً إلى أبعد الحدود، ولا توجد فيه ذرة صغيرة
من طلاح، بل يحتفظ لمدة محدودة بذكريات حياته على الأرض كاملة – الذكريات
الصالحة فقط – ولكنه لا يستطيع مطلقاً العودة من ديفاخان إلى الأرض.
إنها
الأنية الشخصية، مطهَّرة ومقدسة. إنها الأنية الناتجة عن اتحاد المبدأ السادس
(الإشراقي Buddhi) مع
المبدأ السابع (الروحي Atma) بعد
قضائها وقتاً معيناً يدعى بـ"الحمل" Gestation
لتولد من جديد في ديفاخان. أما الكارما الطالح فإنه يُنحَّى جانباً
بالانتظار؛ وما إن تخرج الأنية الشخصية أو الذات العليا من ديفاخان حتى يندمج
الكارما السيئ بها في تجسُّمها الجديد. إذاً فالذات العليا لا تحمل معها إلى
ديفاخان إلا الكارما الصالح؛ ولذلك فإن جميع البشر الذين لم يغرقوا في أوحال
الرذيلة والشر يذهبون إلى ديفاخان. وسوف يجب عليهم فيما بعد أن يدفعوا ثمن
أخطائهم وشرورهم في تجسُّمهم التالي. ولكن هذا لا يعني أن الإنسان لا يُعاقَب
بعد الموت؛ فنحن هنا لا نومئ إلى أن العقاب سيكون في تجسم قادم فقط، بل هناك
عقاب رهيب، نفساني وعقلي، لنماذج معينة من البشر فيما وراء الموت فوراً قبل
الدخول في ديفاخان. وتوجد قلة من البشر لا تدخل – ولا يمكنها الدخول – إلى
ديفاخان لأن الشر الذي بلغتْه أدى إلى انحلال الأنية أو الذات العليا كلياً.
وهذا أرهب ما يمكن أن يحدث للنفس البشرية.
في
ديفاخان تنال النفس غبطة لا تشوبها ظلال للتعاسة مهما كانت ضئيلة، على الرغم
من أن حالتها هي "وهم" Maya، لأن
السعادة التي تعيشها هي انعكاس للأماني الجميلة التي تبدعها الذات العليا
(بدون إدراك لعدم حقيقة ما تحياه) في ديفاخان، وكأنها حلم عميق؛ وهي تعيش مع
أحبائها "المتوفين" الذين سبقوها، ومع أولئك الذين مازالوا على الأرض أحياء،
ولكنها لا تعي ذلك، ولا تدرك أن الأحباء – "الأحياء" منهم و"الأموات" – لا
وجود لهم إلا في مخيِّلتها. كذلك الأمر بالنسبة للحبيب "المتوفى": فهو يخلق
عالماً خاصاً به بدون إدراك أن "الآخر" فعلاً إلى جانبه ويحلم حلمه الخاص
أيضاً.
وفي
حالات نادرة يتراءى لإنسان ما على كوكب الأرض أن أحباءه المتوفين، الموجودين
في ديفاخان، قد نزلوا إليه وشاهدهم بالعين المجردة أو بالرؤية الداخلية. ولكن
الحقيقة أن هذا الإنسان المتمتع بحسِّ شفاف قد استطاع، عن وعي أو عن غير وعي،
"العروج" إلى ديفاخان ومعاينة المشهد كاملاً في لحظة سريعة. أما أغلب حالات
الوساطة الروحية، كما ذُكِرَ في كتاب مقالة في التقمص لديمتري
أفييرينوس، فليست إلا أوهاماً ناتجة عن "الأصداف" التي يتركها الإنسان
المتوفى وراءه في العالم النجمي المحيط بكوكب الأرض، وهي التي تنجذب إلى
الجلسات الروحية. أما في بعض الظواهر النادرة فيمكن أن يحدث تمازج بين الهالة
النجمية للوسيط مع الهالة النجمية للإنسان الموجود في ديفاخان، مما يؤدي
لظهور شبحي يقوم بالتحدث أو الكتابة؛ ولكنها حالات نادرة جداً. ونضيف بأن من
يتلاعب بهذه الظواهر، دون معرفة بالقوانين الكونية، يؤدي بنفسه إلى
الهلاك.
وكما
ذكرنا سابقاً فإن الأطفال المتوفين قبل بلوغهم سن السابعة لا يدخلون إلى
ديفاخان، لأن الثالوث الأعلى قبل هذه السن لا يكون مكتملاً لديه، وبالتالي لا
يوجد ثواب وعقاب بالنسبة للطفل؛ ولكن خيال الأم (المتوفاة) الموجودة في
ديفاخان تخلق صورة خيالية حية لابنها الصغير الذي سبقها، وتشعر بالسعادة
والغبطة معه.
وربما
سأل أحدهم: إذا كان كلُّ ذلك مجرد "خيال"، إذاً في الحقيقة لا توجد سعادة
وغبطة في ديفاخان! بدورنا نقول: ألا نمر في كثير من الأحيان بأحلام جميلة
وشفافة، و"نشعر" بالسعادة، رغم عدم صحة الوقائع؟ إن ديفاخان أشبه بهذا الحلم
الرائع. وفي نهاية الأمر، أليست الحياة مجرد وهم وخيال، وقد أضفينا عليه صفات
من السعادة والتعاسة النسبية، كلٌّ مناَّ حسب أهوائه؟
سندرك
بعد الموت كم كانت الحياة وهماً؛ وكذلك بعد خروجنا من ديفاخان للتجسم من جديد
على الأرض. وفي حالة كون الإنسان صالحاً ونقياً فإنه يدخل في ديفاخان في نوم
عميق وهادئ، مليء بالأحلام والرؤى السعيدة عن حياته الأرضية الماضية، ولا يعي
بأنه قد "غادر" هذه الأرض وأنه لم يعد في عداد الأحياء. أما الإنسان الذي ليس
بصالح ولا بطالح فإنه يكون في ديفاخان في غفوة بدون أحلام وردية، ولكنها تكون
هادئة. أما الأشرار فإنهم يعانون في كاما لوكا Kama-loka من عذابات رهيبة، حيث إنهم يشاهدون "كابوساً" خلال سنوات طويلة.
فأفكارهم تكون حية، وغرائزهم تكون على أشدها، ولكنهم يعانون العذاب لعدم
استطاعتهم تحقيق هذه الشهوات لعدم وجود جسم مادي. وهم يرون أن المصائب التي
سبَّبوها للآخرين بدأت بالسقوط على رؤوسهم وكأنها "حقيقية". فالقاتل يرى،
بشكل دائم ومتكرر، الفعلة التي اقترفها لدى قتله إنساناً، أو تمر أمام ناظريه
كلُّ المرحلة الحقيقية التي مرَّ بها في أثناء حياته الأرضية، من إلقاء القبض
عليه، إلى السجن، إلى الأهوال والرعب الذي أصابه على حبل المشنقة. وهذا
المشهد يبدو حقيقياً للقاتل فيما وراء الموت.
عندما
يموت الإنسان فإن الجسم أو المبدأ الأول (المادي) والثاني (الأثيري) والثالث
(النجمي) يتحلل بعد فترة زمنية قد تطول أو تقصر بحسب نمط حياة الإنسان
المتوفى. والمبدأ الرابع (العقلي الأدنى) والخامس (العقلي الأعلى) والسادس
(الإشراقي) والسابع (الروحي) تشكل ثنائيتين – المبدأ الرابع + الخامس،
والمبدأ السادس + السابع – تتصارعان فيما بينهما؛ فإذا انتصرت الثنائية
العليا (السادس + السابع) فإن المبدأ السادس يجذب إليه الخبرات والأعمال
الصالحة من المبدأ الخامس (أماني صالحة، صلوات مقدسة، الغيرية والعطف على
الآخرين، إلخ)، ويلتحق مع المبدأ السابع ("البكر الإلهي")، ليدخل في حالة
"الحمل". أما المبدآن الرابع والخامس فيبقيان متحدين ليشكِّلا ما دعوناه
سابقاً بالصَّدَفَة الفارغة shell التي
تحوِّم في الفراغ المحيط بكوكب الأرض، شبه فاقدة للذاكرة، لكنْ مع احتفاظها
بالغرائز الدنيئة لوقت محدد. وهذا ما يدعوه بعضهم باسم "الملاك الحارس" الذي
يحضر في الجلسات الروحية، بينما يدَّعي بعضهم الآخر بأنه "مَلَك صالح"!
أما إذا انتصرت الثنائية الدنيا (المبدأ الرابع + الخامس) فإن المبدأ الخامس يدمج كلَّ ما يستطيعه من المبدأ السادس، أو يهضم كل ما تبقى من الذاكرة الشخصية والإدراكات في الفردية. ومع ذلك فإن المبدأ الخامس لا يبقى في كاما لوكا أو عالم الرغبات أو في الفراغ ا