حكاية كالي لأبنائها
المتخلفين ديمقراطياً
في زمن قديم, جديد, كانت أشجار جميلة باسقة قد ضربت جذورها حول أنهار عذبة. وكانت ثمار تلك الأشجار الشهية, تنادي الطيور لتلتقطها وتحيلها إلى أحلى الأناشيد. وكانت حوريات جميلة, تتغنى بجمال تلك الأشجار, وتقوم على خدمتها وحراستها.
جاءت الشجرة الأنانية الشيطانية مستغيثة بها, طالبة منحها مكاناً قرب النهر, بعد أن هددها الجفاف بالموت.
أعطت الأشجار الطيبة تلك الشجرة مكاناً قرب النهر, و أغدقت عليها بظلالها وحنانها.
بعد أن استقرت الشجرة الشيطانية قرب النهر, وعادت إليها القوّة, بدأت بمزاحمة باقي الشجار بغية اقتلاعها من محلها, و الاستيلاء على مكانها.
لكن جذور تلك الأشجار كانت عميقة, وجذوعها و فروعها قوية وصلبة. وكان من المستحيل أن تنتزع من مكانها بالقوّة.
غضبت الشجرة الشيطانية فعصفت في نفسها, فسقط منها عصا على الأرض. وما أن لامست تلك العصا الأرض, حتى انشقت, و ظهر لها فكـّين كفكـّي التمساح.
راحت تلك العصا تعدو هنا و هناك, مفترسة كل ما صادفت.
وأول ما صادفته كانت حورية جميلة, اسمها حضارة الشرق الأوسط.
افترست هذه العصا تلك الحورية الجميلة, وعلى الفور امتلأ جوفها وتشكل فيه ثلاثة تنينات مخيفة و خطيرة.
راح جوف العصا يضج بحمله الرهيب. وراحت التنينات تخرج إلى الحياة واحدة تلوى أخرى.
أول تنين خرج إلى الحياة كان اسمه من ليس مثلنا فليقتل. وما أن لامست أقدام التنين الأرض حتى فتح شدقيه, وأخرج نيران وسموم الأنانية, فسقطت على الأرض. وعلى الفور نبت مكانها غيلان العرقية و التعصب والغطرسة و الجهل.
ثم ولد التنين الثاني وكان اسمه من ليس مثلنا فهو عدونا. ولد هذا التنين جائعاً, فراح يلتهم الإيمان والأخلاق والقيم.
أما التنين الثالث فكان من نوع الأنثى, وكانت تدعى من ليس مثلنا فليدفع الجزية. وما أن لامست أقدام هذه التنينة الأرض, حتى أنشق جوفها وخرجت منه عفاريت نزعات البداوة وحب الانتقام, وسياسات الهيمنة, وهمجية احتواء الآخر, وسياسات التسلط, وفن تجويع الآخر, وعلوم الهندسة الوراثية لإعادة الناس إلى أجدادهم القرود, وعلوم العفرتة والنط على أعناق الشعوب.
نظرت الغيلان والعفاريت إلى تلك الأشجار وفرحت بها.
هاجمت الغيلان جذوع وفروع الأشجار الطيبة, وراحت تقرضها, أما العفاريت فقفزت على أغصان تلك الأشجار, وراحت تعيث فيها فساداً.
تحطمت الأشجار وصارت كومة حطب.
حزنت الحوريات وبكت, وغادرت إلى الكهوف المظلمة, منتظرة مزارعاً عظيماً يعيد للحياة أشجارها, ويخلّص الأرض من الغيلان والعفاريت.
تابعت الغيلان والعفاريت وأمهاتها, رحلة العبث والتخريب في كل مكان.
أظلمت الأرض, واكفهرت السماء, فتضرعت الحوريات للسماء كي تعين الأرض.
فجأة لمع برق خاطف في السماء, وتساقط على الأرض بذار سماوية.
شاهدت الشجرة الشيطانية تلك البذور تهطل من السماء, فدب في قلبها الخوف والهلع, فأنذرت أحفادها من هذا الخطر الداهم.
هاجمت الغيلان البذار السماوية خانقة إياها في ظلمة أديم الأرض. وهاجمتها العفاريت ببرد قارص وماء جامد.
كانت الشمس تشهد بأم عينيها على مأساة البذور وهي لا تملك لها حولاً ولا قوّة, عالمة أن ابنها الربيع سيأتي يوماً ليخلـّصها.
وما أن جاء دور الربيع حتى أعطى البذور قوّة هائلة, شقت صلابة التربة وخرجت من ظلمة أديم الأرض إلى نور الشمس. وما أن لامست وجنتيها النور, حتى قدّمت أعظم صلاة لامّ النور.
اشتمت الغيلان والعفاريت رحيق زهور تلك البذور, فدب في قلوبها الخوف والهلع.
هاجمت الغيلان هذا الزرع الأخضر, وبثت فيه عقل نبات متطفل من نوع حب نهم الاستهلاك.
نما النبات المتطفل على فروع وأغصان النبات السماوي فكبله, وراح يستنزف طاقاته. وهاجمته العفاريت وبثت فيه بذار التعصب والتطرف والقبلية والطائفية.
ضربت البذار السامة جذورها في الأرض, مهاجمة الزرع السماوي.
اعتل الزرع السماوي ووقع ضحية مؤامرات شيطانية.
نبت في فكر الزرع السماوي فكرة عداء الآخر. حيث أصبح كل كائن مهما كان, عدو له. فانتشر الحقد وعمّت الكراهية, واحتدم الصراع, وسفكت دماء كثيرة, وانتشر الفقر والجهل والمرض.
اجتمع النبات وانتخب سلطة جديدة لتحكمه وتخلصه من محنته.
لكن كما تكونوا يولّى عليكم, فتحولت السلطة إلى تسلط دكتاتوري. وأصبحت السلطة أداة نخاسة تقوم على بيع كرامة ومقدرات شعوبها للغيلان وللعفاريت, مقابل حفنات زهيدة من الذهب.
حزنت الحوريات كثيراً على حال النبات السماوي.
وحزن الربيع على ما آلت إليه الحياة في الأرض.
طلب الربيع من الحوريات أن يجمعوا ما أمكن من البذار الصالحة على أن يعودوا ويزرعوه في الزمن المناسب. وترك الربيع البذار السامة تتكاثر على هواها.
فرحت الغيلان والعفاريت وأمهاتها, بهذا النصر الساحق. وتهيأ لها أن لا أحد يستطيع أن ينتزع العالم من بين مخالبها.
لكن سرعان ما دب في نفسها الخوف والهلع, عندما شاهدت النباتات السامة تتكاثر بصورة شيطانية, وراحت تتسلق عليها مكبلة إياها, ومستنزفة طاقتها. وهكذا تبدد أمن واستقرار نسل الشجرة الشيطانية, وفقدت شعورها بنشوة النصر.
خارت قوى نسل الشجرة الشيطانية, فتضرعوا إلى الله, أن يعيد إلى الأرض البذار السماوية.
سخر الربيع قائلاً: أيها الجهلة, لقد نسيتم أبسط قانون في الحياة هو: زارع الشيء لا بد أنه حاصده, وطابخ السم لا بد أنه آكله.
أمر الربيع الحوريات, فأعدن زرع البذور السماوية.
نبتت البذور, فمنحتها الشمس ترياق الحريّة .
أعطى الترياق النبات قوّة الإبداع والتجدد, فحرم جذور النبات السام من الغذاء.
وبموجب الحريّة قام حوار هادئ وجميل بين نبات بذور السماء, فتحوّل إلى لغة احترام الآخر.
في هذا الجو نما النبات, وأصبح أشجاراً. وعادت الطيور إلى أعشاشها, وعادت الحوريات إلى مكانها.
انكفأت الشجرة الشيطانية على نفسها, عالمة أن أنانيتها, قد أصابت مقتلها. وأدركت أن استمراريتها في الحياة يحتاج إلى حب الآخر, والتنازل عن فكرة تفوّق عرقها.
هاجم الجفاف الشجرة الشيطانية, فعادت إلى أشجار الحياة, طالبة لها ملاذاً قرب النهر.
قالت لها أشجار الحياة : اقتربي أيتها المسكينة, وتذكري أنه في كل دور كنت تقفين هذه الوقفة, وكنت تطلبين هذا الطلب, وكنا دائماً نمنحك ما تطلبين. وإنا نصلي لأجلك لتكفي عن أفكارك وأفعالك.
عادت الشجرة المهزومة وسكنت بجوار أشجار الحياة.
ترى هل ستتعلّم شجرة الهزيمة هذا الدرس للمرة الألف؟؟.
![]()
الحقوق محفوظة شمس الحقيقة غسان بركات 296156 16 00963
للاتصال Email : barakat@sunoftruth.com