مملكة المجهول
دخل شيخ مسنّ مدينة غريبة و راح يجر بخطاه متكئاً على عصا ، وقد أنهكه المرض و الإعياء.
لفت انتباه ذلك الشيخ صراخ طفل حديث الولادة، وراح يراقب سكوته. لكن الصراخ راح يستمر وبدأ بالاختناق. اتجه الشيخ إلى مصدر الصوت، وراعه أن شاهد رجلاً يضرب ذاك الوليد, بعصاً غليظاً على قدميه& حتى تهشمت عظامها.
هرع الشيخ لنجدة الطفل ممسكاً العصا، قائلاً للرجل: بالله عليك يا رجل, قل لي ماذا تفعل؟.
قال الرجل و علائم السعادة مرتسمة على وجهه: لقد وهبني الله هذا الطفل بعد انتظار طويل و هاأنذا أمارس واجبي نحوه و أضربه على قدميه كي أحثه على المشي!.
قال الشيخ : بالله عليك توقف عن جلد الطفل. ألا تعلم أنه حديث الولادة, و أنه لن يمشي قبل أن تشتد عظامه.
نظر الرجل بالشيخ نظرة ازدراء وقال : اذهب في طريقك أيها الشيخ, فأنا أدرى بمصلحة ولدي.
صمت الشيخ و قلبه يقطر ألماً على ذاك الطفل المسكين، وراح يجر بخطاه بعيداً عن ذاك المكان، عاجزاً عن إدراك ما يحدث. لكن صوت صراخ طفل آخر عمره عدة أسابيع راح ينبعث من مقربة منه.
اتجه الشيخ نحو مصدر الصوت, فوجد رجلاً يجلد ذاك الطفل بسوط غليظ, حتى تمزق لحمه الغض, و نزفت الدماء من جروحه.
هرع الشيخ لنجدة الطفل المسكين ممسكاً السوط قائلاً للرجل: الرحمة يا رجل, قل لي ماذا تفعل بهذا المسكين؟ .
قال الرجل و علائم الغبطة تملأ قلبه: إنه ولدي و فلذة كبدي, و أنا كما ترى أجلده كي أحثه على المعرفة!.
قال الشيخ : إنه طفل صغير لن يدرك المعرفة قبل أن ينضج دماغه. أستحلفك بالله توقف عن سلخ جلد هذا المسكين.
صاح الرجل بالشيخ : اذهب يا هذا من هنا ولا تتدخل فيما لا تعرفه!.
بلع الشيخ ريقه, وخنق أنفاسه, وأطبق فمه, وقلبه يشتعل حزناً وألماً على هذا الطفل المسكين. وراح يجر بخطاه, مسرعاً للخروج من هذه المدينة الغريبة.
لكن صوت صراخ طفل آخر انبعث من مقربة منه. نظر الشيخ جهة الصوت المنبعث, فوجد رجلاً يمسك طفلاً صغيراً بيد ويضربه باليد الأخرى بهراوة غليظة على رأسه.
لم يتمالك الشيخ نفسه فهرع لنجدة الطفل ممسكاً الهراوة قائلاً: توقف يا رجل, ارحم هذا الطفل, و قل لي بحق السماء ماذا تفعل به؟.
قال الرجل والفرح يملأ قلبه: إنه ولدي وهو أملي ورجائي في هذا الوجود. وأنا كما تراني, أضربه على رأسه كي يتفجر منه نور الحكمة!
قال الشيخ : ألا ترى أن الدماء هي التي قد تفجرت من رأسه بدل النور والحكمة.
انزعج الرجل وأجاب بفظاظة : اذهب يا هذا قبل أن أحطم هذه الهراوة على رأسك.
حزن الشيخ وراح يجر خطاه, مسرعاً للخروج من هذه المدينة العجيبة وهو يتساءل: ما هذه المدينة؟ ما طبيعة سكانها؟ أي عقول صماء لديهم؟ وأي إيمان لهم؟.
شاهد حراس المدينة ذلك الشيخ وراحوا يتفحصون مشيته وحركاته.
قال أحد الحراس : انظروا هيئة هذا الشيخ ألا تدلكم على أنه معتوه؟.
قال حارس ثاني : انظروا مشيته ألا تدلكم على فراره من ذنب؟.
قال حارس ثالث : تأملوا وجهه الضعيف, ثم تأملوا كتفيه العريضين, ألا يدلكم هذا على أنه قد خبأ مسروقات تحت عباءته؟.
قال الحارس الأول : أحسنت لا بد أننا قد وقعنا على صيد ثمين. اقترب الحراس من الشيخ وصاح به أحدهم: هيه قف أيها الشيخ من أنت؟ ومتى قدمت إلى مدينتنا؟.
أجاب الشيخ : أنا يا أولادي ناسك أتجول في بلاد الله الواسعة.
قال الحارس : ماذا سرقت من مدينتنا .
قال الشيخ : سامحك الله يا بني فأنا شيخ زاهد عن ملذات الدنيا.
قال الحارس : ماذا تخبئ تحت عباءتك؟. ألا تعلم أن شكلك المريب يفضح سرك؟.
أجاب الشيخ : مالك يا بني وما بتحت العباءة. ثم خاطب الحراس قائلاً: اذهبوا يا أولادي وليسامحكم الله.
قال الحارس : نحن لا نخدع بمثل هذا الكلام, اخلع أيها الشيخ عباءتك وثيابك قبل أن تمزق سيوفنا جسدك.
قال الشيخ :لا شيء أخبئه ينفعكم يا أولادي . فأنا لا أخفي سوى أسراري .
قال الحارس : دعنا نتأكد منها.
قال الشيخ : لكنكم لن تكونوا مسرورين. وأنصحكم أن تعدلوا عن طلبكم قبل أن يمزق الحزن قلوبكم.
هجم أحد الحراس على الشيخ وهو يقول: لماذا نصبر على مماطلتك. وضربه بسيفه, فشطرت العباءة إلى نصفين وظهر جسد الشيخ ملتفاً بضمادات لجروح نازفة.
قهقه الحراس من منظر الشيخ وقال أحدهم: انظروا إلى حماقة هذا الشيخ لقد لف جسده بالكامل بهذه الضمادات المزيفة. فأي أحمق يرى هذه الضمادات ويصدق أن هذا الرجل قادراً على الحركة.
قال حارس آخر : اخلع هذه الضمادات وأخرج المسروقات.
قال الشيخ : أنصحكم سيروا في طريقكم قبل أن يأكل الندم قلوبكم.
هجم حارس على الشيخ بسيفه قائلاً أتهددنا يا رجل. وضربه على ضمادات ساعديه فمزقها وكشف عن ساعدي الشيخ, فوجد فيها جروح حقيقية نازفة, فندم على فعلته.
لكن حارس آخر قال : عله أحدث جروح حقيقية ليخفي مسروقات في ضمادات ساقيه, ومزق الحارس ضمادات الساقين ليجد فيها جروحاً أعمق وأشد!.
لكن الحارس الثالث مزق ضمادات جسد الشيخ الباقية ليجد أن جسد الشيخ قد غطته الجروح النازفة.
حزن الحراس على منظر الشيخ المسكين وقال له أحدهم: من فعل بك هذا الجرم, وكيف تقوى على حمل هذه الجروح, والسير في الطريق.
قال الشيخ: إنها قصة طويلة بدأت منذ ولادتي.
ثم أضاف الشيخ قائلاً : عندما ولدت كان مشرط الجراحين في انتظاري. وعندما بدأت الرضاعة, كان المرض يترصدني. وعندما بدأت المشي كانت الجروح والكسور تقتفيا أثري. وحين تفتح قلبي كان الحرمان والألم يقضا مضجعي. وعندما رحت أعمل, كان النحس وسوء الطالع رفيقا دربي. إن هذه الجروح التي ترونها تغطي جسدي لا تؤلمني كتلك الجروح التي تحزّ في نفسي.
قال حارس آخر : أي جرم ارتكبته حتى وصلت إلى ما أنت فيه.
قال الشيخ : ليتني أعرف يا بني ليتني أعرف!.
قال حارس : ليأتي كاهن المدينة ويفسر لنا حال هذا الشيخ.
نادى الحراس كهان المدينة وأهلها فحضروا جميعاً.
قص الحراس حكاية الشيخ وطلبوا من كبير كهان المدينة أن يفسر لهم حال الرجل.
فكر كبير الكهان ملياً، وهرش رأسه، وقلّب فكره، ثم انتصب وراح يعظ أهل المدينة قائلاً بصوت عالي: يا أهل مدينتنا المقدسة, اعلموا أن هذا الشيخ آثم, ملعون, نجس, يعاقبه الله على آثامه, وقد مر من مدينتكم المقدسة فدنسها. هلموا وارجموا هذا الشيخ وطهروا مدينتكم من هذا الدنس.
هب شباب وشيب المدينة رجالاً ونساءً وأطفالاً, يتسابقون إلى رجم الشيخ المسكين, وكأنهم يتسابقون لفوز عظيم.
تفجرت الدماء من جروح جسد الشيخ, و توقف شعوره بألم الجروح, ولم يعد يشعر إلا بوقع ارتطام الحجارة على عظامه, ثم غاب عن وعيه.
ظن أهل المدينة الشيخ قد مات. فجره حراس المدينة, ورموه خلف حدودها, كي تأكله الطيور.
عاد الوعي إلى الشيخ فوجد نفسه مرمياً في مكان موحش.
انصرم النهار, وغطت ظلمة الليل المكان, وحامت الذئاب حول جسد الشيخ المنهار فناداها بأعلى صوته!. هلمي أيتها الذئاب وكلي جسدي وحرري روحي. لكن الذئاب فرت مذعورة لدى سماع صوت الشيخ .
حزن الشيخ لخذلان الذئاب له, فنادى الله كي يحضر لأنه لم يعد قادراً على تحمل العذاب.
بالفعل تجلى له الله كنور بصورة الشيخ .
قال الشيخ للإله: أأنت الرحمن الرحيم؟.
هز الإله رأسه بالإيجاب .
قال الشيخ : وهل يستوي مفهوم الرحمن الرحيم مع ما أنا فيه من عذاب؟ .
قال الإله : ما كنا ظالمين للعبيد. إن هذا ما هو إلا خيارك.
قال الشيخ : إني في ريب مما تقول!. هل أنا أحمق حتى اخترت هذا المصير؟!.
قال الإله : لو تذكرت الغيب لما تلفظت بهذه الألفاظ التي تظلم بها نفسك. لقد قطعت درباً طويلاً ولم يبقى عليك سوى خطوة واحدة فلا تدمر عملك.
قال الشيخ : كم خطوة قطعت كي أصل للجنة؟.
قال الإله : لقد قطعت ألف ألف ألف خطوة, ولم يبقى عليك سوى خطوة واحدة ...اصبر, فالمجد بانتظارك.
قال الشيخ : ما رأيك يا إلهي أن أجري وإياك اتفاق آخر. ما رأيك أن أسامحك بألف ألف ألف خطوة, وتعفيني من خطوتي الأخيرة. وحقيقة أريد أن أقولها لك, هي أني ما عدت بحاجة لك, ولا لجنتك, ولا لحقائق وجودك, وأنا أصبحت في ريب من أمري, هل أعبدك كإله, أم أصبر عليك كشيطان!.
حزن الإله من الشيخ فاختفى عن أنظاره.
غضب الشيخ من اختفاء الإله, فصاح بأعلى صوته: أيها الشيطان أحضر لي أيها الشيطان.
وعلى الفور حضر الشيطان بالتو واللحظة.
قال الشيطان : لمَ تناديني؟ مالي وإياك أيها الشيخ؟ .لقد تبعتك طيلة سنوات حياتك لكنك أغلقت عليّ جميع الأبواب, وقد حصّنت نفسك مني و أصبحت محرّماً عليّ.
قال الشيخ : لقد خذلني الإله فهل تستطيع مساعدتي؟.
قال الشيطان : بكل سرور, قل لي كيف أستطيع مساعدتك؟.
قال الشيخ : امحني من هذا الوجود, لكن لا تطلب مني أن أمارس الشر!.
قال الشيطان: إنك تطلب المستحيل. فلا يحق لنا أن نعدم أحد من الوجود إذا لم يمارس الشر.
قال الشيخ : إذا اقتلني.
قال الشيطان : يا مرحباً بهذا الطلب. وبضربة واحدة من يد الشيطان على عنق الشيخ حتى طار رأسه وبدأت روحه بالتحرر.
شعر الشيخ بخروج روحه من جسده, وصمتت فجأة أصوات الحزن والخوف والهلع, وسمع من بعيد أنغام عذبه رقيقة تسلب الروح.
وانتهت فجأة جميع مظاهر القبح, وفاحت رائحة أشجار السحر, ولاحت من بعيد خيام المنشدين المرتلين.
سار الشيخ إلى حيث الخيام فشاهد الإله ينظر إليه نظرة حزن . نظر الشيخ إلى ما بداخل الخيام فهزته نشوة عظيمة, وغاب في بحر اللذة, وعاش في لحظة واحدة حياة ألف ألف ربيع!. وعندما استفاق بدأ يتأمل فيما يشاهده. فقد كان الحكماء العظام, بانتظار قدوم ملك جليل. وشاهد أمهات فرحات, ينشدن ويزين حفل العرس. وشاهد صورة العروس مرسومة فوق موضع العرس, وقد استحوذت على جميع مقاييس جمال الذات الكونية.
لم يلفت حضور الشيخ انتباه أحد لكنه سأل : أين العروس؟.
أجاب أحد الحكماء: لقد اصطادها ملك الجان فاستعبدها!.
قال الشيخ : لمَ تقيمون العرس؟
أجاب الحكيم: لقد ذهب العريس لتحرير العروس. وهانحن آباءه بانتظاره وهاهن أمهاته قد أعددن له العرس وهاهن ينشدن في داره.
قال الشيخ : هل يستطيع العريس التغلب على ملك الجن؟ .
أجاب الحكيم : يا له من مسكين. لقد ذهب ليحضر عروسه بعد أن علم أن ثمن استعادتها هو أن يتمزق قلبه وجسده آلاف المرات, وقد قلنا له إن هذا العمل صعب وشاق ولن يسعى له إلا كل من به صبر وجلد.
لكن العريس قال: لقد اخترت عروسي واخترت قدري المؤلم المدمّى، فليحترق جسدي آلاف المرات طالما قلبي سيحترق بنار هجران الحبيب.
سأل الشيخ : أيها الحكماء إن قدرتكم مطلقة وعظيمة, لمَ لا تهبّون لمساعدة العريس؟ .
قال الحكيم : لأنه قد كتب في ألواح القدر, أن لا مساعد له سوى صبره. وهانحن آباءه لا زلنا بانتظاره, وهاهن أمهاته يتحرقن على طول انتظاره, وهاهي عروسه تتمزق وتتعذب في أسر عبودية ملك الجان, وتخشى خذلان قوة صبر الحبيب.
قال الشيخ : بالله عليك قل لي ما حقيقة هذا العرس, وما حقيقة هذه العروس, وهذا العريس؟
قال الحكيم: أما العروس فهي طاقة تكوين الوجود. وأما العريس فهو جوهر إبداع وتجديد الكون. وأما العرس فهو ولادة كون جديد!.
قال الشيخ : هل أستطيع رؤية صورة العريس؟ .
قال الحكيم : انظر إليها فهي هناك في قاع الجب!.
تقدم الشيخ ونظر إلى قاع الجب , فصعق عندما شاهد أن صورة العريس هي صورته!.
حاول الشيخ الحركة لكن آلام جسده عادت إليه من جديد. نظر الشيخ حوله فوجد نفسه لا زال حياً خلف حدود المدينة التي رجمته، وأدرك أن ما شاهده كان وحياً روحياً.
ضمد الشيخ جراحاً بفرح وراح يجر بخطاه متكئاً على عصاً باحثاً عن عروسه. وعلم أن آباءه بانتظاره وأمهاته يتحرقن على طول غيابه وقد أعددن له العرس وهن ينشدن له في داره.
& إيقاظ طاقة الكونداليني (الوعي ) عن طريق القوّة .
.![]()
الحقوق محفوظة شمس الحقيقة غسان بركات 296156 16 00963
للاتصال Email : barakat@sunoftruth.com