مملكة الشيطان
جــزء 4
وفي السماء لمع نجم عظيم وجاء ملاك على غيمه وتردّد صوت في السماء : سنملأها قسطاً وعدلاً كما ملأت جوراً وظلماً.
ثم ظهر من الأرض فجأةً عالم لم يكن قد شوهد من قبل, وظهرت جيوش سماويّة وأرضيّة, وازدانت السماء بشموس روحانية , وظهر الحكماء بلطافاتهم بعد أن كانوا مستترين بشخوص الزهاد والمعلمين .
وأعلن صوت في السماء عن فتح محكمة الأمم .
صعقت عقول وقلوب قادة الأمم وساروا إلى الملاك وقدموا إليه خضوعهم ورجوه كي يدخلهم في ملكوت الله .
قال الملاك : دلّوني على من راعى حرمة الله وتقيد بالواجب وعرف الطريق إلى الحقيقة .
تقدم كاهن قائلاً : أمتي يا مولاي من راعت حرمة الله وأخلصت كل الإخلاص لأسفارها . وبالرغم يا مولاي من عداء الأمم وقتلها وسبيها لنا لكنّنا أخلصنا أبداً لعقيدتنا وعدنا من التاريخ ونفضنا عن أنفسنا غبار السنين وحطّمنا أعداء الله وأعدائنا وأنشأنا مملكة شعب الله . إن أمة كأمتي حريّ بها أن تدخل ملكوت الله.
أجاب الملاك قائلاً : الدين يا هذا ليس عنصريّة أو تجمعاً للأحقاد والضغائن. إن الدين ما هو إلا بوتقة تحتوي الأعراف والقيم والأخلاق, هدفها حماية الأمم من الانحلال والتفسخ. وتدعو كل من ارتقى بروحه وسما فوق تعاليم المدرسة الدينية إلى الاتحاد الروحي الذي يتجاوز جميع الديانات والأفكار ويوحّد الكائن البشري بنظام روحي سامٍ تعجز الأفكار عن إنشائه . ثم سأل الكاهن : ماذا استطعت أن تقدم للبشرية ؟
أجاب الكاهن : حافظت على الأسفار . دمرت أعداء معتقدي . سيطرت على اقتصاد وعقول العالم وأنشأت دولة شعب الله وجسدت رغبة الله على الأرض .
قال الملاك : هل تدمير اقتصاد العالم فضيلة ؟ هل نهب العالم وتدمير أخلاقه وقيمه فضيلة ؟ هل اعتقادك أنك وعصبتك خيرة العالم وبقية العالم كلاب وحشرات لا قيمة لها فضيلة ؟.
إنك لا بد قد أخطأت في هجائك ولقد خاب رجاؤك, إن السماء أطهر من أن تحتوي مثل هذه القيم والأفكار.
خرج الكاهن وبعض من أمته, من محكمة الأمم غاضباً وساخطاً .
تقدم كبير الكهنة من الملاك وقال :
أمتي راعت حرمة الله وعرفت درب الحقيقة.. لقد نادت بالمحبة والتسامح والتبتل وحافظت على روح الدين فأدخلها في ملكوت الله .
أجاب الملاك : ِنعم المناداة وِنعم المبادئ لكن ...ألم يقم بعض أشياعكم بمذابح شنيعة باسم الدين؟. ألم يخرج بعض أشياعكم مدججين بالسلاح لاحتلال العالم فهدموا حضارات ودمروا أمم؟ً. إن الدين المثالي لا يمكن أن يسمح لأمثال هؤلاء أن يخرجوا منه .
قال كبير الكهنة: لكننا نؤمن بالشفيع والمخلّص .
أجاب الملاك : إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله والشفاعة لا تلغي إسار السبب والنتيجة لأن إلغائها طمس الكون وإلغاء الصفات الآلهية التي تشكل محور هذا الكون . بل الشفاعة هي تجلي لصفة الكرم الذي لا يضر بنظام الكون .
انقسمت أمّة كبير الكهنة فخرج من محكمة الأمم قسمٌ منهم راضياً فرحاً مستبشراً والقسم الآخر غاضباً ساخطاً.
وتقدم كاهن آخر من الملاك وقال : أمتي استفادت من مسألة تطور الأديان وقد نظّمت المجتمعات وقامت بتضحيات وفتوحات عظيمة, وأنشأت محبةً الجهاد والتضحية, وحاربت الكافرين ونشرت المعرفة في كل مكان, فادخلها في ملكوت الله.
أجاب الملاك قائلاً : ِنعم ما وصل إليكم , لكن ألم يتنازع السياسيون ومنتفعو المُلك دفة قيادة دينكم فقسموه إلى شيع وطوائف, فقتلوا أتقيائكم وسفكوا دماء بعضهم البعض, وكفـّروا وزندقوا أتقيائكم, وقادوا شعوبكم إلى الفقر والجهل والضياع, وجعلوها لقمة سائغة للوحوش البشرية ؟. إن أمّة مثل أمتك لا يمكن أن تدخل بجملتها إلى ملكوت الله .
انقسمت أمّة الكاهن فخرج قسمٌ منهم فرحاً مستبشراً والقسم الآخر غاضباً ساخطاً .
تقدم كبير المفكرين من الملاك وقال : أنا لم أخرج من رحم أي دين لكني خرجت من رحم السخط على الأديان، لقد ناديت بالعدالة والمحبّة والمساواة لكن الظلم هزمني وقهرني , لهذا فأنا أجد أن أتباعي أحق في دخول ملكوت الله لأنهم راعوا حرمته وتمسكوا بالواجب .
أجاب الملاك : إن المجتمع الذي يخلوا من العبادة والروحانية مصيره الهلاك والدمار. إن سلبيات الأديان التي تخلقها الوصوليّة والانتهازيّة لا تبرر القضاء عليها . ثم تابع الملاك قائلاً : انظر إلى إنجازاتك بشعبك الذي أصبح الآن كالحيوانات الضالّة التي لا يحكمها قانون ولا عرف. فلو اعتمدت الروحانية والعبادة كما اعتمدت العدل والمساواة لتمكنت من حماية نظامك من وصول الزنادقة والمرتزقة الذين دمروا شعبك , واستطعت أن ترتقي بهم إلى مصافي الأمم الروحانية الراقية .
قال كبير المفكرين : لكنك تنادي بالبراءة من الأديان!.
أجاب الملاك: إن الأديان مدارس حضانة للروحانيين. حتى إذا ما تطور الإنسان الروحاني أدرك أن جميع المدارس والأديان عاجزة عن إدخاله التجربة الروحيّة , لأن الإشراق الروحي يسمو فوق كل المدارس والاعتقادات .
قال كبير المفكرين: إذاً صف لنا مواصفات المدرسة الروحية المثاليّة .
أجاب الملاك: إنها التي لا تستطيع أن تنمو فيها الحشرات والطفيليات , وهي دائماً كريمة سخيّة تغذي جميع المدارس والأديان والأمم وتبقى دائماً طاهرة نظيفة مقدسة منزهة على أن تنالها الكثافة أو يصلها انتهازي أو وصولي لأنه ويل لمن تزل له قدم!!.
إنها المدرسة التي يَردها الحكماء عبر تغيرات مراحل الزمن. فترتقي بالأديان وتنير الأفكار وتستوعب جميع المتغيرات. وهي متأصلة دوماً بجوهر موضوعات الوجود .
ثم صاح الملاك بأعلى صوته : من وجد نفسه قد مضى في هذا الطريق فليتبعني .
صعد كبير الملائكة إلى السماء وتبعه من اكتشف في نفسه أنه قد سار في هذا الدرب منذ بدأ التكوين .
وصدحت السماوات منشدة فرحة بالعائدين المنتصرين وتناثرت الورود, وأُعلن عن ِبدء كون جديد.
النهاية
.![]()
الحقوق محفوظة شمس الحقيقة غسان بركات 296156 16 00963
للاتصال Email :barakat@sunoftruth.com