الهند: موطن الروح   

ديمتري أفييرينوس

 

قبل أن نجيز لنفسنا الاسترسال في هذه التداعيات البسيطة في خصوصية الثقافة الروحية للهند، يحسن بنا أن نبيِّن أننا لم نقصد من العنوان الموضوع لها حَصْر الخبرة الروحية الإنسانية في بلد من البلدان – وإن يكن الهند التي نحبُّ –، إنما بالحري التشديد على أن الطابع العام الذي اتَّسمت به الحضارة الهندية إجمالاً، فغلب عليها، هو طابع التوق والتسامي الروحيين إلى المطلق؛ وأيضاً على أن الهند ظلت أعصراً طوالاً منبعاً ومصباً للمنقولات الروحية الشرقية، بشقَّيها الظاهر والباطن، بما هي كانت، وما تزال – وإنْ على نطاق أضيق بكثير من ذي قبل وأخفى – مركزاً من مراكز إشعاع مستودع دين الحكمة، على حد ما جاء في كتاب هـ. بلافاتسكي العقيدة السرية (أو "الحكمة الخالدة" philosophia perennis، على حد تعبير أوغسطينوس سطُوْيخوس)، الذي يعتبره "أهل الباطن" إرثاً بشرياً مشتركاً موغلاً في القِدَم، يعود إلى البدايات البكر لوجود الإنسان على الأرض، تناقله حكماء الإنسانية وعارفوها وصانوه حتى وصلنا منه ما وصلنا.

تنوع عقائدي مدهش

لا يكاد المرء يعقد صلاته الأولى مع الفكر الروحي للهند حتى يعتريه ذهول وخشوع عظيمان أمام ذلك التنوع الحاذق اللانهائي في المعتقدات الدينية لتلك البلاد العريقة. فالحق أن الهند زاولت منذ أقدم الأزمنة معظم – إن لم نقل جميع – ضروب التجربة الروحية الإنسانية، واختبرت كافة تلاوين طيفها. ففي أدغال الجنوب وفي أواسط الهند وشمال شرقها ما تزال بعض القبائل تقيم شعائر أحيائية animistic بدائية يُعتقَد أنها تمثل أقدم المعتقدات الدينية التي عرفها العالم. ويرى الآخذون بهذا الاعتقاد أن روحاً فرداً تسكن في كل موجود من موجودات الكون. ومع أن غالبية مسلمي الهند يعيشون اليوم في باكستان وبنغلادش فإن الإسلام ما يزال يأتي في المرتبة الثانية في الهند بعد الهندوسية من حيث عدد المؤمنين. أما البوذية التي وُلِدت في الهند في القرن السادس قبل الميلاد فهي تمثل حركة إصلاح "باطني" في قلب هندوسية ذلك الزمان؛ وهذه الفلسفة الباطنية العظيمة، وإن لم تلقَ الترحاب كله إلا خارج الهند، فلا يزال لها موطئ قدم راسخ في موطنها الأصلي. كذلك شأن الجَـيْـنِـية – وهي "بدعة" زهدية معاصرة تقريباً للبوذية – التي لا تزال ذات دالَّة قوية على مريديها المسالمين. ويفيدنا المنقول بأن المسيحية دخلت الهند على يد القديس توما، الرسول "المشكِّك" على رأي مفسِّري الإنجيل؛ وللمسيحية حضور روحي لا يستهان به في الهند. يبقى أن نذكر ملَّة السيخ التي تُعتبَر محاولة توفيقية بين الإسلام والهندوسية،[1][1] والديانة الزردشتية أو الفارسية التي يُعتبَر أتباعها، على قلَّتهم، عصباً هاماً في الاقتصاد الهندي.

الدهرما

أما "الدين" السائد إلى حد كبير في الهند فهو الدين الذي أطلق عليه الغرب اسم الهندوسية Hinduism والذي يدعوه معتنقوه بـدهرما dharma – وهي كلمة سنسكريتية قد تصح ترجمة معناها الضيق بـ"الواجب" ومعناها الواسع بـ"النظام" أو "الناموس". ولقد كان الدهرما حتى وقت قريب (أي قبل أن تتبنى الهند نظام العلمنة) هو الواقع الأساسي الكلِّي الحضور في حياة الهند، وتشكل تجلِّياته المشهد الثقافي العام للبلاد، وتتخطى تعاليمه المجالات التي ينحصر فيها تقليدياً بكثير. فهو في آن معاً "فلسفة" (بالمعنى "الخام" للمصطلح، أي "محبة الحكمة" philo-sophia) ونظام اجتماعي ومنهاج حياة. والكتب المقدسة للهندوسية من التعقيد والعمق بحيث لا تترك لدارسها عموماً أي وقت للنهوض بدراسات أخرى.

أما البانثيون pantheon (مجمع الآلهة) في ظاهر الهندوسية فهو غفير العدد أيضاً،[2][2] يسكنه مئات الآلهة (ديفا deva) وأنصاف الآلهة (شكل 1)؛ وصورها ذات الأذرع العديدة والوجوه المستقاة من عالم الحيوان وفيرة العدد في المعابد ومقامات الصلاة والتخشُّع المقامة على طول طرق الهند القديمة. وليس بمستغرب أن يظهر إله "شعبي" مثل شيفا بمئات الهيئات والصور (شكل 2).

 

شكل 1: لوحة تمثل البانثيون الهندوسي.

إن كل عمل في كل ساعة من حياة الهندوسي التقي، المحافظ على موروثه، يتميَّز بشعيرة خاصة، أو قل إن المتعبِّد يؤديه أداءه لطقس مقدس، حتى إن بعض المراقبين الغربيين أطلق على الهند اسم "بلاد الكهنة". والواقع أن أهمية الطقس في كل مجتمع نقلي تتمثل في اشتراك الأفراد، من خلاله، في الحقائق الروحية اشتراكاً رمزياً بما ييسِّر لهم اتصالاً دائماً – وإن على نحو غير مباشر، نفسي – بهذه الحقائق.

شكل 2: شيفا، المظهر المميت من مظاهر الألوهة.

أما المجتمع الغربي الذي يصح تجاوزاً تشبيهه بالمجتمع الهندي التقليدي فهو مجتمع أوروبا المسيحية في العصر الوسيط، حيث كان الإيمان المشترك هو قطب الرحى الذي تدور عليه الحياة الاجتماعية والثقافية برمتها، وكانت الكنيسة تدعم النظام الاجتماعي دعماً قوياً بما يبقي البشر في المنزلة أو المرتبة الاجتماعية التي وُلِدوا فيها.

غني عن القول إن الهندوسية ليست القوة الوحيدة التي أثَّرت في تاريخ الهند وشكَّلته. فعلى العكس من ذلك، يقدِّر مراقبون عديدون أن قروناً مليئة بالفاقة، والغزوات، والحروب، والفيضانات، والمجاعات قد تكون مسؤولة عن ذلك النزوع الجماعي إلى اليأس من هذه الدنيا وإلى التفتيش عن الخلاص في آخِرة مفترضة. لكن هؤلاء المراقبين، وقد اعتادوا اختزال الحياة البشرية برمَّتها إلى العامل الاقتصادي وحده، ينسون أن الفترات من تاريخ الهند التي شهدت ذروة النشاط والتفتح الروحيين قد تزامنت مع الفترات التي بلغ فيها الازدهار الاقتصادي والمادي أوْجَه. وحتى لو أخذنا ذلك العامل بعين الاعتبار يبقى أن للهندوسية، شأن الدين في كل مجتمع نقلي traditional، دورها الحاسم في رسم مسار الحياة الهندية إجمالاً. على هذا الأساس، تتحمل الهندوسية بحق المسؤولية عن مجد الهند عندما بلغ منحناها نهايته الحدِّية العظمى، وعن بؤسها عندما آلت إلى الانحدار نتيجة التراجع الدوري الذي يمر به كل ظهور "تاريخي" للحكمة الخالدة بعد بلوغه حداً معيناً. وبذلك تكون الهندوسية قد دفعت بنمو الهند الروحي قدماً إلى الأمام، فيما عادت بتقدمِّها المادي القهقرى. فاليوم، وقد ضاع روح نظام الطوائف الاجتماعية cast system النقلي فإن جمهرة المذاهب والطوائف أمست ذريعة لتفتيت البلاد وتواصِل التسبب في تفتيتها من الداخل.

غير أن السؤال الذي ينطرح على الباحث بإلحاح هو الآتي: هل يصح اعتبار الهندوسية ديناً جامعاً مشتركاً؟ والدافع إلى طرح هذا السؤال هو ذلك التنوع المدهش في معتقداتها، وشعائرها، وآلهتها، وقناعتها المتسامحة بأن كل دين ينطوي على وجه من وجوه الحقيقة، أو هو درجة من الدرجات على سلَّمها، ونزوعها الاصطفائي إلى استيعاب وتمثُّل وجهات نظر الأديان الأخرى ومعتقداتها وأبطالها الروحيين، مهما كانت هذه الأديان بعيدة عنها في الظاهر.

كذا فقد يتفق الباحث أن يستمع إلى تنديدات كثيرة لا جدوى منها، يشنُّها أحياناً "المتغرِّبون" من الهندوس على الهندوسية، باعتبارها تطيُّراً "رجعياً" يشجِّع على التخاذل والهروب من النشاط المنتج. كذلك قد يتفق له أن يستمع إلى مدائح مطنِبة يرفعها مفكرون من الشرق ومن الغرب على حد سواء. فقد صرَّح "عالم" أمريكي، غير متحرِّج، بأن "الهندوسية هي الدين الأشد تشوُّشاً وتشويشاً في العالم والأشد اختلافاً عن الأديان الأخرى"؛ إنه دين لم يُعرَف له مؤسِّس تاريخي، بلا سلطة مركزية (على غرار الكنيسة الكاثوليكية!)، بلا شريعة تصلح عالمياً (وكأن ثمة شريعة ما تصلح عالمياً في الأصل!). إن مثل هذه الأحكام المتسرعة يطلقها المتديِّنون اعتباطاً انطلاقاً من وجهات نظرهم الضيقة، وقياساً على دينهم كما يفهمونه وعلى "حضارتهم" المفترضة، ليدل على أن إطلاق حكم اعتباطي على الهندوسية (أو أي "دين" شرقي آخر) أمر أسهل بكثير من محاولة مخلصة للتعمق والفهم.

لعل أيسر تقريب لا يجانب الصواب للهندوسية إلى العقلية "العلمانية" هو تشبيهها ببستان للفاكهة تتنوع صنوف أشجاره وثماره وألوانه بحيث يستطيع كل إنسان أن يقطف منها ما يناسب طبعه وخصوصيته كفرد. فمع أن الهندوسية كثيراً ما تُرمى بـ"التصوُّف"، أي بالزهد في الحياة "الواقعية" وباعتزالها، فهي، بالمقابل، تبدي، بما لا ريب فيه، واقعية قصوى، من حيث إنها تعترف باختلاف البشر بعضهم عن بعض (ليس بين فرد وآخر وحسب، بل بين فرد في فترة من حياته والفرد عينه في فترة أخرى منها)، وبالتالي بأن طرقهم للتقرب إلى الله (برهمن Brahman)، أو بالحري إلى "التحقُّق" به، ينبغي أن تختلف وتتنوع بالضرورة. فإبَّان عمرها المديد عبَّدت الهندوسية طرقاً لجميع صنوف البشر، لكل الأعمار، وعلى كل المستويات. ويرى المؤمنون أن في جعبتها لكلٍّ ما يلائم وضعه في الحياة كل الملائمة. فالفلاح الأمِّي يلوِّن حياته ويجمِّلها ويسمو بها بالشعائر، والمناسك، والمواكب، والأعياد، والاحتفاءات المقامة على شرف أبطال أساطير دينه الأثيرة إلى قلبه (شكل 3)؛ وبذلك قد يظهر بمظهر "المشرِك" بنظر من يتعبد في قريته لآلهة أخرى، فما بالك بالمتعبد لآلهة دين آخر – ولاسيما تلك الأديان الموسومة بـ"السماوية"؟ أما الهندوسي المفكِّر، اليوغاني العارف، فهو بالمقابل راسخ في توحيده، ومئات الصور المختلفة التي تمثل آلهة الهندوسية ما هي في نظره إلا رموز إلى المظاهر والتجلِّيات والقدرة اللانهائية للإله الواحد أو الحق الأسمى الذي (أو "التي") يدعى برهمن، وهو مستمسك بإيمان وبرجاء لا يتزعزعان أن كل إنسان، إنْ في هذا العمر، أو في عمر مقبل، سوف يضع لا محالة جانباً، متى آن الأوان، هذه الحقائق الجزئية، وسوف يتخلَّى عنها شأن الشاب يخلف وراءه ألعاب طفولته، وسوف يعرف الفرح اللانهائي متي عرف الحق واتحد به.[3][3] إن هذا الاعتقاد الراسخ في الطبيعة الجوهرية للإنسان وفي قَدَره المجيد هو ما يشكل الوحدة الأساسية والملاط الجامع بين كل عقائد الهندوسية، أياً كان مقتربُها أو توجُّهها.

 

شكل 3: غنيشا، الإله الشعبي ذو رأس الفيل، ابن شيفا، والمعبِّر عن ممكنات الحياة بتناقض ظواهرها الزائلة.

النصوص التأسيسية: الفيدا والأوبنشاد

إن بدايات الهندوسية تغيب فيما قبل التاريخ. ويُعتقَد أن بعض معالمها يضرب بجذوره في حضارة وادي السند القديمة. كما جاء الآريون، مع اجتياحهم للبلاد من الشمال الغربي إبان الألف الثاني ق م بعناصر أساسية أخرى – وإن لم يكن هناك جزم بهذا الصدد. ويتجلَّى أقدم تعبير عن هذا الدين وأكمله في مجموعة الأناشيد والصلوات والتعازيم السحرية المقدسة التي تنضوي جميعاً تحت اسم الـفيدا Vêda – وهي كلمة تعني "النظر" أو "الحكمة". إن ثَمَّ اعتقاد راسخ لدى الهندوس بأن الفيدا موجودة منذ الأزل وتنوقلت شفهياً من جيل إلى جيل حتى وصلتنا؛ ومن البحَّاثة الغربيين من يعتقد بأن بعض أجزائها يعود إلى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد. لكن المرجَّح برأينا أنها أقدم من ذلك بكثير لأن النقل كان يتم دوماً عبر الذاكرة الجمعية والتعليم الشفهي المباشر. مهما يكن من أمر، لابد من الإشارة إلى سرَّانية ما جاء فيها واستعصائه على التفسير الحرفي، وضرورة التأويل لفهم ما ترمي إليه رموزها.

تتضمَّن الفيدا أربعة أسفار هي: رِغْ فيدا Rig-vêda، يَجُر فيدا Yajur-vêda، ساما فيدا Sâma-vêda، أتهَرفا فيدا Atharva-vêda؛ وينقسم كل سفر من هذه الأسفار الأربعة بدوره إلى أربعة أبواب هي: الـمنترا Mantra، الـبرهمنا Brâhmana، الـ الـآرَنـْيـَكا Aranyaka، الـأوبنشاد Upanishad. أما أشهر أسفار الفيدا وأقواها شاعرية فهو الـرِغْ فيدا الذي يرجَّح أنه اتَّخذ صيغته النهائية في القرن التاسع قبل الميلاد. والـمنترا mantra (المقاطع الصوتية المقدسة) فيه مرفوعة في المقام الأول إلى آلهة الطبيعة والعناصر، مثل إندرا Indra، إله العواصف والحرب، وأغني Agni، إله النار، وسوما Soma، إله العصارة المسكِرة التي كان الآريون يستخرجونها من النبتة التي تحمل عين الاسم والتي ترمز حالة السكر التي تنتاب شاربها إلى الوَجْد الروحي ecstasy:

قد شربنا سوما

وصرنا من المخلَّدين؛

قد بلغنا النور،

وشاهدنا الآلهة.

فهل للكيد أن ينال منَّا بعد الآن؟

وهل لغمِّ المائتين أن يطال بعد إلهاً مخلَّداً؟

بيد أن الـرِغْ فيدا قد يعلِّمنا أيضاً أن المهرقات الشعائرية لا تكفي لتفسير الكون وتعليله ولصنع قدر الإنسان. بذلك صار فارونا Varuna، وهو أصلاً إله السماء، حارساً على النظام الكوني، مادياً ومعنوياً:

إذا خطئنا بحقِّ إنسان يحبنا،

أو أسأنا يوماً إلى أخ،

أو صديق، أو رفيق،

أكان جاراً أم غريباً،

طهِّرنا، أيا فارونا، من هذا الإثم.

إذا غششنا في اللعب ونحن نلعب،

وإذا خاتَلنا، سواء كنَّا أسأنا

من حيث لم ندْرِ أو أثِمنا عمداً.

اطرح عنا هذه الآثام

كما تُطرَح أصفاد تقع.

واجعلنا، أيا فارونا، أبناءك الأحبَّة.

ويبلغ الـرغ فيدا أوج التأمل فيما وراء الطبيعة في "أنشودة التكوين" التي تُعتبَر من أعمق ما عبَّر به الفهم الإنساني عن حالة "ما قبل" التكوين وعن بدء سيرورة التجلِّي الكوني:

1. لم يكن ثَمَّ حينئذٍ وجود أو لاوجود:

ولم يكن ثَمَّ هواء أو فضاء يتعدًّاه.

أكان من شيء يغلِّفه؟

أين كان؟ وفي حفظ مَن؟

أو هل كانت ثمة لُجَّة كونية

من مياه لا يُسبَر لها غور؟

2. لم يكن ثَمَّ موت ولا كائن مؤبَّد؛

ولا أية علامة لتمييز النهار من الليل.

وتنفَّس الواحد بلا هواء متقوِّتاً بذاته.

وكان ذلك الواحد حينئذٍ

وحده ولاشيء سواه.

3. في البدء كانت ظلمة تتلفَّع بظلمة؛

وكان ذلك الوجود لُجَّة لم يغْشَها نور.

كان الوجود بالقوَّة يسبح

غير متعيِّن بعد في الفراغ،

إلى أن أوجدت قدرة الحرارة

الواحد الأحد.

4. في البدء نزلت فيه الرغبة –

وتلك كانت البذرة الأولى، مولودة من العقل.

والحكماء الذين تملُّوا قلوبهم بالحكمة

يعلمون ما هو موجود وما هو غير موجود.

5. فأشعَّتهم قد أصدرت النور عن الظلمة.

ولكن، هل كان الواحد في الأعالي أم في الأسافل؟

قوة الخلق كانت ثمة، وكذلك القوة المخصبة.

في الأسافل كانت الظلمة، وفي الأعالي كان الدافع.

6. منذا يعلم حقاً، ومنذا له أن يجزم

من أين انبثق ذاك، وكيف تشكَّل هذا الوجود؟

حتى الآلهة نفسها أحدث منه.

7. منذا له أن يعلم حقاً عمَّا صَدَر؟

أكان هو من صوَّره، أم لم يكن هو؛

هو العالِم من أين صدر هذا الوجود،

هو وحده الساهر في أعالي السماوات

يعلم ذلك فعلاً –

ولكن حتى هو لعلَّه لا يعلم!

لقد تشكلت هذه الثيمات الرئيسية للهندوسية، فيما يرى المؤرخون، خلال أربعة أو خمسة قرون بدءاً من عام 800 ق م (وإن كان هذا التاريخ مثار جدل كبير) وصيغت في سلسلة من المقالات الميتافيزيائية سميت بالـأوبنشاد Upanishad – وهي تسمية مشتقة من الكلمات السنسكريتية أوبا upa التي تعني "قريب"، وني ni التي تعني "أسفل"، وشاد shad التي تعني "يجلس". فالمقصود بها إذن الحقائق التي كان المريدون يأخذونها عن أساتذتهم وهو جالسون عند أقدامهم. والـأوبنشاد، بما هي معنية بالكلِّيات أكثر منها بالجزئيات، تترك هذه الأخيرة لاجتهاد الأفراد في حدود ما يسمح به الـدهرما، ولا تعرِض للكثير من المسائل التفصيلية، مركِّزة ثيماتها على الخير المطلق المتمثل بالتحقُّق بالحق. وتشدد الـأوبنشاد على التمييز الدقيق بين طريق الأنانية الجاهلة التي تقود إلى السرور المؤقت الزائل، وبين طريق الحكمة التي تقود إلى الانعتاق النهائي (مُكتي mukti).

لكل فرد، في ضوء ما تقدم، الحرية في قراره بتصوُّر الحق الأسمى بوصفه ذاتاً صرفة أو ماهية روحية محضة، لاشخصية، منزَّهة عن كل الصفات والأسماء، تدعى بالتالي برهمن (محايد)، أو بوصفه إلهاً شخصياً تُخلَع عليه شتى الصفات البشرية، يدعى بالتالي برهما (مذكَّر). وعلى النحو نفسه، لكل مؤمن أن يقرر فيما إذا كان ينظر إلى العالم باعتباره مظهراً من مظاهر برهمن أو برهما أو تجلِّياً من تجلِّياته، أو مجرد "خلق" هذا أو ذاك – كما أن بوسعه أيضاً أن يُبقي المسألة مفتوحة غير مبتوت فيها، قبل أن تحسمها الذائقة الداخلية المباشرة.[4][4]

في كلا الحالين يعتبر الهندوسي العالَم المرئي مايا mâyâ – وهي كلمة سنسكريتية تصح ترجمتها من أحد الأوجه بـ"الوهم"، الأمر الذي جعل عدداً من البحَّاثة يستنتجون أن الهندوسي يعتبر أن العالم المرئي ليس إلا هلساً hallucination. أما ما يقصد الهندوسي فعلاً من هذا المصطلح فهو ببساطة أن العالَم ليس ما يبدو للحواس البشرية للوهلة الأولى.[5][5] فلما كان البشر يشكلون جزءاً من العالَم المرئي يقتضي ذلك منطقياً أنهم، هم أيضاً، ليسوا ما يظهرون عليه. فكل إنسان يعتبر نفسه شخصاً فريداً ومستقلاً عن غيره، وكل إنسان مستحوَذ عليه بأفكاره، ورغباته، وأفراحه، وأتراحه، ومخاوفه، وخيباته. إن هذا الانشغال بالأنيَّة الظاهرة هو المصدر الحقيقي لكل شر ولكل بؤس بشري بحسب العقائد الهندوسية. أما الأنيَّة Ego الباطنة الحقة فهي مدفونة عميقاً تحت طبقات عديدة من الوعي. وهذه الأنية تدعى آتمن âtman، الروح الشامل الكلِّي الحضور.

المعلِّم شنكرا ومذهب التوحيد الفيدنتي

أما وقد أتينا على ذكر المصادر الكتابية للعقيدة الهندوسية من فيدا وأوبنشاد، وأشرنا إلى المقصد الأسنى من كل تفكُّر في الحياة والوجود، متمثلاً في إقامة الصلة مع الأنيَّة الحقة في باطن الإنسان، حري بنا أن نقول كلمة في شنكرا، الحكيم والمصلح الهندوسي العظيم، وشارح أسس الـأدْفـَيـْتا فيدنتا Advaita Vêdânta (شكل 4).

شكل 4: شنكرا.

عُرِف شنكرا المولود في جنوب الهند من أبوين من البراهمة باسم شنكراتشاريا Shankarâchârya، أي "المعلِّم شنكرا". إذ سرعان ما ظهرت عليه منذ الصغر علامات النجابة، من قدرات عقلية رفيعة وتضلُّع بالمسائل الروحية والعقيدية المختلفة. كان همُّه الأول النهوض بتأليف شامل بين مختلف ألوان طيف الرموزيات الهندوسية، فلسفيِّها وإلهيِّها، في منهاج واحد متساوق، قائم على الميتافيزياء الصرفة. ولقد كان مستقيم الرأي في تمسكه بالـفيدا، غير أنه سعى إلى إبراز التوافق في ظاهر التناقض بين تعاليمها بالتركيز على الأجزاء الختامية للـفيدا، ألا وهي الـأوبنشاد.[6][6]

نسب شنكرا تأسيس الـفيدنتا إلى الحكيم بادراينا Bâdarâyana (400 م) الذي شكلت تصانيفه أهم الثيمات التي عرض لها شنكرا لاحقاً. وعلى الرغم من زعم هذا الأخير بأنه مجرد شارح على الـفيدنتا فقد كان، بلا أدنى ريب، من أكابر "العارفين بالله" الذين أنجبتهم الهند. وقد ساح طويلاً في طول البلاد وعرضها، مؤسِّساً "معتزلات" رهبانية ashrama عديدة، ومصنِّفاً المقالات في الـفيدنتا "اللاثنوي" advaita. كان، على قصر عمره، عاملاً دؤوباً لا يعرف الكلل، وديالكتيكياً بارعاً لا يُجارى. وإذ حضرته الوفاة كانت منزلته قد توطدت توطُّداً قوياً وصارت نظرياته في الإلهيَّات (= الميتافيزياء) من أشد العقائد تأثيراً في صرح علم الباطن في الهندوسية، بما مهَّد الطريق لبناء قاعدة راسخة لتجديدات فقهية أصيلة وللقيام بإصلاحات عميقة طالت مختلف مناحي الحياة.

استمد شنكرا العناصر الأساسية لنظرياته من نقاط مختارة من الـأوبنشاد، فأعمل فيها عقله مستنبطاً وشارحاً، سندُه الحاسم في ذلك خبرتُه الروحية المباشرة. فالنصوص في نظر شنكرا، على سعتها وكثافتها، مشبعة بتعليم باطني يشدد أن للذات أو الهوية الحقة (آتما âtmâ، أو "الروح") لكل إنسان علاقة نوعية وماهوية مع روح كلية سرمدية هي آتمن âtman؛ وهذه تدعى في المطلق برهمن. يقول: "إنما برهمن وجود دائم، نقي، منير، طليق، بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير." وهو مصدر الظواهر والتجلِّيات في الوجود ومآبها جميعاً.

لهذه الإلهيات وجهان على جانب خاص من الأهمية: بما أن برهمن وحده حقٌّ ودائم، فإن كل الموجودات المتعيِّنة والمتناهية في العوالم الأربعة "وهمية" وإلى زوال. ولكن بما أن هذه الموجودات، بما هي صور عابرة، هي في صميمها تجلِّيات لـبرهمن فإن لـ"الوهم" نفسه قيمة أيسية (= أُنطولوجية) موجبة. إن الوهم يشار إليه بمصطلح مايا mâyâ، كما مر بنا، وهو مصطلح يشير كذلك إلى قدرة الوهم على حجب الحق بما ليس له وجود بذاته، بل يستمد وجوده من وجود الحق (= برهمن). وإلى هذا مردُّ تسمية عقيدة شنكرا بـأدْفـَيـْتا – "اللاثنوية" (وهو اسم آخر للتوحيد الميتافيزيائي) – من حيث إنها لا تألو جهداً في إرجاع كل الظواهر إلى مبدأ أصلي دينامي مبدع.[7][7]

لا يدرك الإنسان بحواسه إلا المظاهر الوهمية الخادعة للحق الأسمى. وهذه المعرفة المحدودة، المقيَّدة والمقيِّدة، هي، بالمعنى الوجودي، "جهل" (أفِديا avidyâ، "لامعرفة") لأنها غير متسقة مع ما يتعالى عن الظاهرات المتجلِّية في الزمان والمكان، ويشتمل عليها كافة ويتخلَّلها في آن. يتمثل هذا "الجهل" في عدم التمييز، بالكشف العقلي، بين الروح المتعالي من جهة وبين تجلِّياته الطارئة من جهة أخرى. ذلكم هو "اللبس" الذي هو "أصل كل شر"، على حد قول شنكرا.

غير أنه تبقى لبعض الأشكال المحددة، ضمن الإطار "الأدنى" والطارئ للوجود، قدسية خاصة ذات صفة دائمة: الـفيدا، شعائر العبادة المنقولة ومناسكها، ناموس كرما، نظام المراتب الاجتماعي، إلخ. فثمة "خواص جوهرية" guna للنظام الكوني، أو "صفات" تعيِّنه. فلئن صح قولنا إن برهمن، بما هو الوجود المطلق والحق الأسمى، متعالٍ عن هذه التعيُّنات وهو "بلا خواص" (نيرغونا nirguna) يصح أيضاً أنه ينطوي بالقوة والإم&