قراءة في كتاب الموتى

عند قدماء المصريين

 

أكرم أنطاكي

 

إلى "المعلِّم السيِّد"

 

لقد صار قلـبي قابلاً كل صـورة  فـمرعى لغـزلان ودير لرهبـان

وبيت لأوثـان وكعـبة طـائـف  وألـواح توراة ومصـحف قـرآن

أديـن بدين الحب أنّى توجّـهـت  ركـائـبه فالحب ديـني وإيـماني

 محيي الدين بن عربي

 

1

يقال إنه عند بوابة معبد تاييس في روما كان ينتصب تمثال لامرأة منتقبة من رأسها حتى أخمص قدميها، تحمل بين يديها لوحاً نُقش عليه: "أنا إيزيس ذات الجلال تلك التي كانت ومازالت وستبقى إلى الأبد تلك التي لا يكشف نقابها حيٌّ".

ويتبسم بعضهم لدى سماعه مثل هذا الكلام الذي قد لا يعني في نظره شيئاً. فإيزيس لم تعد، وتراثها قد اندثر، وما نسمعه أو نقرأه عنها اليوم قد لا يتعدى مجرد ميثولوجيا ولكن

من قال إن إيزيس لم تعد؟ ثم، تراها من هي " ذات الجلال التي كانت ومازالت وستبقى إلى الأبد [و] التي لا يكشف نقابها حيٌّ"؟!

وقد يكون الموت هو نقابها فإذا كان الأمر كذلك فعلاً، إذ ذاك، لعل " تلك التي كانت ومازالت وستبقى" هي أمنا، ورمز الحياة الأزلية

ونبدأ من هنا، بعين قلبنا، نحاول، من وراء النقاب، بحياء وتخشع، نتلمس بعضاً من سرّ

تلك التي كانت، ولم تزل تدعى "سيدة الأفراح والأتراح" تلك التي تعيدنا إلى الـ

 

2

بداية

قلت بعين قلبنا وأنا أعني فعلاً ما أقول وأنا أشعر بثقل ذاك الذي أمسى اليوم يقيد جميع أفعالنا ذاك العقل البارد الذي انقطع، بمشيئة الألوهة، عن جذوره

وقد كان اسمه عند قدماء المصريين سِت Seth أو الشيطان ذاك الذي كان الأجمل والأقوى بين الآلهة، حتى كان سقوطه ومع سقوطه، بمشيئة الألوهة أيضاً، بدأت مأساتنا، إن لم نقل، مسيرتنا

والبداية من خلال ذلك العقل قد تكون، ههنا، مجرد محاولة متواضعة للتأمل في بعض أسس ديانة مصر القديمة. ولكني

قلت "بعين القلب"، وعقلي يقيِّدني، ويعيدني، عبر منطقه، إلى ما أفترضه "بداية" وتلك حين أقرأها بعين قلبي تقول على لسان آتم إن

" كنت وحيداً وساكناً في قلب النون حيث لم يكن ثمة مكان لوقوفي أو لجلوسي لم تكن هيليوبوليس مدينتي قد أُسِّست بعد ولم يكن عرشي بعد قد صُنع ولم أكن بعد قد خلقت نوت، ذلك المجمع الإلهي الذي كان مايزال في داخلي كنت أحلِّق ساكناً وكأني العدم"

ويقول النون، أو "العدم"، لآتم إن:

" تنشق ابنتي مآت وأرفعها إليك مستنشقاً لكي يحيا قلبك. ولتكن ابنتك مآت وابنك الحياة معك واحداً"

وكان أن:

" خلقت نفسي بنفسي كما أردت فكنت ذلك الأزل رآ الخارج من النون [أو العدم] وسيد النور"

 وكان اليوم الأول، حيث، كما تقول الأسطورة، جسّد آتم-رآ الثنائي الإلهي الإله شو والإلهة تفنوت كان شو يمثل، من خلال بعده الأول نسمة الهواء، بينما كانت تفنوت تمثل من خلال البعد نفسه الرطوبة أما من خلال بعدهما الثاني فكانا يمثلان الزمان والمكان، حيث كان شو يمثل بعد الزمن الأزلي، وكانت تفنوت تمثل بعد المكان اللامتناهي

وينجب شو وتفنوت ومن النسمة والرطوبة والزمان والمكان يولد الكون عبر الثنائي الإلهي جب ونوت حيث كان الإله جب يمثل الأرض أو الجماد، بينما تمثل الإلهة نوت السماء التي تحتضنها.

ويتابع "مهندس الكون" - صانع العالم demiurgos صنعته بعد إيجاده للـ"نظام الكوني" بخلق "النظام الأرضي" فمن الثنائي الإلهي جب ونوت كان الثنائيان الإلهيان إيزيس وأوزيريس وست ونفتيس وقد كان الثنائيان متكاملين، حيث الثنائي الأول إيزيس وأوزيريس يمثل قوى الحياة والخصب، بينما يشكل الثنائي الثاني انعكاساً له ونقيضاً، إن لم نقل إنه كان مكمِّلاً له. بذلك تكتمل الألوهة المصرية وقد أضحت تساعية التجلي تلك

" الكبرى القاطنة في هيليوبوليس: آتم، شو وتفنوت، جب ونوت، أوزيريس وإيزيس، ست ونفتيس، أبناء آتم السعيد بأولاده"

وتستمر الخليقة ويكون الإنسان، كما جاء في مخطوط الطريقين:

"تلك كانت الكلمات التي نطق بها سيد الأكوان: عند بوابة الأفق قمت بأربعة أعمال جليلة. خلقت الرياح الأربع بحيث يستطيع كل كائن أياً كان مكانه أن يستنشقها. وكان هذا هو العمل الأول. ثم خلقت الفيضان لينمو من خلاله الصغير والكبير. وكان هذا عمل آخر. ثم خلقت كل إنسان مساوياً لأخيه، ولم أسمح بالشر. ولكن قلوب البشر خالفت إرادتي. وكان هذا ثالث أعمالي. وجعلت قلوبهم لا تفكر بالغرب، وجعلتهم يرفعون ابتهالاتهم لآلهة المحبة. وكان هذا آخر أعمالي. فقد خلقت الآلهة من عَرَقي والبشر من دموعي"

وتتم الخليقة، ويقف الإنسان، ذلك الذي خلقته دموع رآ ساجداً، مسبِّحاً الخالق وتلك الشمس التي ترمز إليه

ترنيمة مرفوعة إلى رآ حين يشرق

" لك التكريم، يا من أنت رآ حين تشرق وتمو حين تغرب. إنك تشرق، إنك تشع، إنك تشع. يا من تُوِّج ملكاً على الآلهة. أنت سيد السماء، [أنت] سيد الأرض؛ [أنت] خالق المقيمين في الأعالي وخالق القاطنين في الأعماق. [أنت] الإله الواحد الذي ولد في بدء الزمان. خالق الأرض ومكوِّن الإنسان"

وفي المساء، بعد أن يعبر عمن-رآ بمركبته الإلهية قبة السماء ويعود إلى مآت يسبِّح الإنسان المصري القديم العائد من حقله أو من عمله خالقه من جديد قائلاً:

" لك التكريم، أيها الكائن المجيد يا سيد الأبد، يا أمير الأبدية، يا عاهل كل الآلهة، يا إله الحياة، يا خالق الأبد، يا صانع السماء إنك تنطلق كل يوم فوق السماء والأرض إنك تعبر أعالي السماء، وقلبك مفعم بالفرح؛ وبحيرة تستس مطمئنة بذلك رآ يحيا بمآت الجميلة. وقارب السكتت يدنو ويرسو، الجنوب والشمال، الغرب والشرق، تلتفت لتسبِّحك، يا جوهر الأرض البدئي الذي نشأ من تلقاء ذاته"

ويستصرخنا ست، من خلال عقلنا، لكي نتوقف قليلاً ولنتأمل، بمنطق الأشياء، في تلك الأسطورة التي أوردنا ونورد، من خلال ماديتها ومادية الأشياء تدفعنا إلى التفكير في طبيعة المجتمع المصري آنذاك وبمستويات تطوره

والمجتمع المصري آنذاك كان مجتمعاً زراعياً، وحياته كانت تتمحور حول علاقته بالأرض وبما تنتجه، وحول النيل وفيضاناته وطميه وما يحمله لتلك البلاد من خصب وأيضاً، حول الجفاف والصحراء والموت ومن هذا الواقع المادي نفسر اليوم نشأة تلك الأساطير التي سادت في حينه على ذلك المجتمع الزراعي البدائي، النابع من غياهب ما قبل التاريخ ولكن

إذا كانت الأمور كذلك فعلاً فإن التساؤل الأساسي يبقى: من أين، تحديداً، نبع ما يدعوه منطقنا المحدث "أسطورة"؟! أمن تلك الغياهب التي يدعوها علمنا "ما قبل التاريخ"؟ كيف، والأسطورة، وما وصلنا منها، تعبّر عن رقي روحي لامتناهٍ في سموِّه؟! وهذا قد لا يتفق، قياساً إلى جدلية منطق العقل، مع ما نفترضه "همجية بدائية"

ويتبسم ست ولا يجيب ويدعنا لذاتنا من جديد لنتابع التحليق مع الأسطورة وهذه تعيدنا من السماء إلى الأرض ومن خلال تواصل السماء مع الأرض، تقودنا إلى

 

3

أسطورة أوزيريس

والفهم الظاهر لتلك الأسطورة يتحدث عن أوزيريس-أونينينفير (ذاك الذي يبقى كاملاً إلى الأبد)، خليفة جب، وملك الأرض الذي وهب الحضارة للبشر الأمر الذي جعله معبودهم فـ أثار غيرة أخيه ست الذي تآمر مع اثنين وسبعين من أنصاره لقتله ويتمكن ست من الحصول على مقاييس جسم أوزيريس ويصنع تابوتاً رائع الجمال ينطبق على تلك المقاييس ووسط حقل يضم الجميع يعرض ست ذلك التابوت الذي يثير إعجاب الحضور يقترح ست تقديم التابوت هدية لمن تنطبق قياسات جسمه على التابوت وكان ذلك الشخص هو أوزيريس الذي يسارع المتآمرون فور استلقائه داخل التابوت إلى إحكام إغلاقه بالرصاص وإلقائه في النيل الذي يحمله إلى البحر الذي يبتلعه لكن زوجه إيزيس وشقيقتها نفتيس، زوج ست، المفجوعتين بفقدان أوزيريس، تتمكنان من العثور على الجثمان وإعادته إلى بيبلوس ويكتشف ست مخبأ الجثمان فيقطِّعه إلى أربع عشرة قطعة ينثرها فوق أرض مصر وتعاود إيزيس ونفتيس البحث من جديد يساعدهما رآ عبر توت وأنوبيس اللذين يعيدان تشكيل جسم أوزيريس وتلك كانت أول مومياء ومن خلال صلوات إيزيس ونفتيس يعود أوزيريس إلى الحياة من جديد تتحد إيزيس مع جسم حبيبها وتحبل فتلد ابناً هو هوروس وتربيه سراً حتى يكبر ويصبح قادراً على الثأر لأبيه ويصارع هوروس ست ويهزمه وتنتهي الأسطورة بانتصار الخير و - وهذا أروع ما في الأمر باستيعاب رآ لسِت الذي يعود ليسهم في قيادة المركب الإلهي

وينتهي بهذا عرضنا لما أسميناه فهماً "ظاهراً" لأسطورة أوزيريس التي تشكل بحق مفتاح ديانة مصر القديمة ولكن ما هو يا ترى ذلك الفهم الآخر لتلك الأسطورة الساحرة؟

حول هذا الموضوع يحدثنا غ. قولبقجي في مقدمته لـكتاب الموتى قائلاً:

"كان المصري القديم مبهوتاً، مفتوناً بسر الموت. كان الكون بأسره في نظره تابوتاً عظيماً، كونياً. وفي مركزه كان أوزيريس، الإنسان الكوني، الساقط، السجين، المشلول، الذي يخضع جسمه لقوى الشر. إنه "الإنسان الأول" عند الغنوصيين [آدم قدمون القباله، وبطل المأساة الكونية البدئية. "الكائن الخيِّر"، أوزيريس، قد ضحى بذاته؛ وهذه التضحية ظلت لغزاً مبهماً [].

"بموت أوزيريس الإله المركزي لا تتجلى الآلهة الأخرى إلا وفقاً لهذه المأساة: إنها تقدِّس ذكراه وتمجدها؛ تبكيه، تثأر له. وكالعدوى، سرعان ما يصيب موت أوزيريس صفوف الآلهة الذكور، صغارها وكبارها: يمسي رآ وهوروس، بتاح وآمن، هابي، وقبحسنوف، إلخ، جامدين، أذرعهم متصالبة على صدورهم في وضعية المومياء الكهنوتية -، ينبثقون أمامنا تحت سمات أوزيريس الذي جمّده الموت. الآلهة تحتضر؛ الآلهة ماتت وماذا عن الإلهات؟ إنها تحيا لكي تنتحب ولكي تندب. جو مفجع، استيهامي، غير واقعي يهيمن على الحياة المصرية كلها []

"قوى الشر تنتصر. أجل إن إيزيس ونفتيس، هاتور ونيت تحمي عالمنا المفجوع؛ لكن إيزيس الإلهة المركزية ، أمست أرملة. وكاليتيم، كـ"ابن الأرملة"، يحيا كل مسارَر مصري على الأرض متروكاً، وحيداً، مستسلماً

"مات أوزيريس، لكن أوزيريس لم يزل. إنه ههنا، سيد عمنتي ومليك العالم السفلي. إنه كبير قضاة الموتى. ساكناً، جامداً، موثقاً بعصائبه كمومياء، يتقبل تكريمهم. أجل، إنه موجود؛ لكنه ظِلٌّ بلاقوام، شبح، أقل واقعية حتى من أولئك الموتى الغادين الرائحين، المتدافعين، المنتحبين في غياهب الظلمات الأبدية []." (ص 13-14)

ترنيمة إلى أوزيريس

" لك التسبيح، يا أوزيريس، رب الأبد، أون-نفر، حرو-خوتي (هرمتشيس)، العديد الأشكال، والجليل الصفات، بتاح-سكر-تم في عنو (هيليوبوليس)، رب الموضع الخفي، وخالق حة-كه-بتاح والآلهة [هناك]، مرشد العالم السفلي الذي تمجده الآلهة حين يغرب في نوت. إيزيس تعانقك بسلام، وتطرد العفاريت من فم دروبك. إنك تولّي وجهك نحو عمنته، وتجعل الأرض تشع كما النحاس المكرَّر. أولئك الذين رقدوا ينهضون لرؤيتك، ويتنفسون الهواء وينظرون إلى محيّاك حين يصعد إلى أفقه. قلوبهم بسلام ماداموا يشاهدونك، يا من هو الأبد والأبدية"

 

4

وقفة تدعي العقلانية

"أي جنون هذا! أي هراء! وأي تخريف!" بهذه الكلمات قبل ما يقارب الخمسين عاماً تحدث العالم الألماني الكبير المختص بالمصريات أدولف إيرمان، واصفاً عقلية قدماء المصريين وديانتهم ويجيبه متبسمين زملاء له إنكليز بأن "ذلك الشعب كان شعباً مجنوناً" وأن كتاب الموتى الذي نحن بصدده لا يتعدى "مجرد أقصوصة مملة، إن لم نقل مجموعة ترهات خانقة". ويضيف بعض الأطباء النفسيين إنهم "يجدون أنفسهم من خلال تلك الديانة القديمة أمام ظاهرة شعب مصاب بالهستيريا، إن لم نقل بالفصام".

قد يميل بعضنا إلى تأييد وجهة نظر هؤلاء وقد يتساءل، من منطلق ما يسميه "عقلاً"، عن سبب انشغالنا بأولئك السُذَّج الذين قضوا؟! لماذا ننشغل بالأموات، والأحياء أولى باهتمامنا؟!

هذا، على الأقل، ما قد توحيه لنا ماديتنا التي سرعان ما تدفعنا، أياً كانت العقيدة التي نزعم اعتناقها، إلى عدم التفكير بالموت فالموت أمسى في عصرنا المادي هذا موضوعاً محظوراً ولكن

كلنا يعلم أن هذا هو مصيرنا جميعاً، أياً كنّا وأن لابد في هذه الحياة "الدنيا" من مجابهته بهذا الشكل أو ذاك من خلال من نعرف ونحب، ممّن هم بضعة منا وأن نجابهه كمصير محتّم حيث

"لا حول ولا قوة إلا بالله"، الذي "إنّا لـ[ـه] وإنا إليه راجعون"، كما تقول حكمة الدين الحنيف وكما رددت، وتردد معها بتعبيرات أخرى -، جميع الحكم في جميع الأديان

فعبر آلاف السنين، وعلى كرّ الأجيال، كانت مأساة الضمير الإنساني تتمحور حول المضمون السرّاني للموت كبوابة تتصل حياتنا من خلالها بالأبدية

وأكثر من جميع الشعوب الأخرى، كانت حياة قدماء المصريين تتمحور حول ذلك السر الأزلي لذي بقي الشاغل الرئيسي للإنسانية حتى ذلك العصر الذي نصطلح على تسميته اليوم بـعصر "النهضة" Renaissance، و

الذي نلاحظ إبّانه تقدم الفكر المادي، والتراجع التدريجي لاهتمام البشرية بالحياة الآخرة فمع سيطرة التفكير المادي، لم يعد الموت شاغلاً للبشرية التي أمست اهتماماتها تتمحور حول ما تفترضه واقعها "الملموس" لم يعد الإنسان "المعاصر" يبدي أي اهتمام جدي بتلك الآفاق الواسعة للحياة غير المادية. فتزعزعت بذلك أسس عالمه الروحي والأخلاقي

ويتلمس الإنسان المعاصر، وهو داخل اليوم في الألف الثالث بعد الميلاد، هذه المأساة لذا، نراه يعود اليوم، وجلاً حذراً، للتفكير مجدداً بما تضمنته كتب الحكمة القديمة ومن ضمنها ذلك الكتاب الذي نستعرض في هذه الدراسة بعض ما جاء فيه كتاب الموتى - كما أسميناه الذي كان قدماء المصريين يسمونه فصول في الخروج في وضح النهار ومن خلال عقولنا، وقلوبنا، نتابع التأمل بما تعنيه

 

5

ظاهرة الموت

حيث لم يعد للموت، عند غالبية البشر اليوم، بعداً سرّانياً ولكن

إن عدنا إلى أعماق نفوسنا إن تأملنا بتلك الظاهرة من خلال ذلك الجثمان المسجّى أمامنا، في تلك اللحظة التي نعرف وعرفنا جميعاً إن تأملنا بذلك الإنسان الذي أمسى جيفة وكان قبل سويعات "حياً" أمامنا.. إن تأملنا بجسمه وقد غادره ذلك الكائن اللامرئي المجهول الذي كان يسكنه أنرانا لا نجد أنفسنا أمام مأساة هي، من حيث أبعادها، المأساة الأخيرة من سلسلة تلك المآسي والانهيارات الكونية؟

أتراه، يا ترى، عبى صعيدنا البشري، تجسيد لسقوط الآلهة؟ لست أدري! ولكن لم لا نعترف بكل تواضع بذلك البعد الروحي والسرّاني غير المتناهي الذي يتملّكنا في تلك اللحظة من خلال ما نشعر به من ألم؟ وكأن الألوهية شاءت بحكمتها أن يكون الألم بوابتنا الرئيسية إليها

اليوم، ومن خلال كتاب الموتى، نتلمس، ربما، بأن الموقف من الموت هو ما كان يشكل بحق عمق قدماء المصريين وعظمتهم وهذا الموقف هو ما عبّرنا عنه في بداية بحثنا هذا، من خلال ما أسميناه "نقاب إيزيس"

فالموت كان، ومايزال، وسيبقى مصيراً ومآلاً يقف الإنسان المعاصر أمامه اليوم، كما وقف المصري القديم قبل آلاف السنين، عاجزاً وكأن الإنسان يواجه من خلاله نهاية، إن لم نقل هوة، لا يمكن عبورها ولكن، ربما

كان ذلك وهماً أو حقيقة فإن شعورنا، من خلال ما نتلمسه اليوم من ديانة مصر القديمة، هو أن أبناءها قد نصبوا، من خلال إيمانها، جسراً حاولوا عن طريقه تجاوز تلك الهوة نحو ذلك المجهول الذي لا نعلم ومن خلال الدموع، ومن خلال الألم، تبدأ والله أعلم تلك

 

6

المحاكمة أو

عملية وزن القلب

" قلبي معي، ولن يحدث أبداً أن يُغتصَب. أنا سيد القلوب، ذابح القلب. أحيا في الحق والحقيقة [مآت] وكياني فيها. أن هوروس، المقيم في القلوب، الذي داخل المقيم في الجسد. أحيا في كلمتي، ولقلبي الكينونة. فلا يُغتَصَبَنَّ مني قلبي، ولايُجرحنّ، ولايُسدَّدنّ إلي جروح ولا انتهاكات لأنه اغتُصِب مني. ليكن كياني في جسد أبي جب وأمي نوت. لم أرتكب ما تحرِّمه الآلهة. فلا أنكسرنّ هناك، بل فلأنتصرنّ"

" قلبي، أمّاه، قلبي، أمّاه‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! قلبي وجودي على الأرض. فلا يقفنّ شيء لمعارضتي في المحاكمة؛ ولا تكوننّ معارضة ضدي في حضرة الأمراء ذوي السلطان؛ ولا يدبَّرنّ لي شرّ في حضرة الآلهة؛ ولايكوننّ تخلٍّ منك عني في حضرة الإله الأعظم، رب عمنتة. لك التكريم يا قلب أوزيريس خنت-عمنته! لك التكريم يا مقر شعوري! لك التكريم أيتها الآلهة القاطنة في السحب الإلهية، والمقدسة بفضل صوالجك! قولي كلمات منصفة فيّ لأوزيريس-عوف-آنخ، واجعليه يزهو أمام نحبكة. وأنظر، فمع أني مشدود إلى الأرض، وإلى أعمق أقاليم الأرض القدير، دعني أبقى على الأرض ولا أموت في عمنتة، بل دعني أكون خو هناك إلى أبد الآبدين"

" قلبي، أمّاه، قلبي، أمّاه! قلبي الذي به وُلدت! فلا يقفنّ شيء لمعارضتي لدى محاكمتي؛ ولا تكوننّ معارضة ضدي في حضرة الأمراء ذوي السلطان [تشه تشه]؛ ولاتكوننّ معارضة منك في حضرة ذاك الذي يحرس الميزان! أنت كا-ي القاطن في جسمي، الإله خنمو الذي يشد أعضائي بعضها إلى بعض ويقوّمها. فلتخرجنّ إلى موضع السعادة إلى حيث ذهبتم. فلا يتسببنّ الشنيت، الذين يصوغون شروط البشر، في إنتان اسمي. [ليكن مرضياً لنا، وليكن الاستماع مرضياً لنا، وليكن فرح القلب لدى وزن الكلمات, ولا ينطقن بما هو زائف ضدي أمام الإله العظيم، رب عمتنة. حقاً، كم ستكون عظيماً حين تشرق ظافراً!]"

ونشعر بالدوار، وربما، من خلال واقعنا، بفقدان الصلة، حيث لابد أن تصدمنا كل تلك الكلمات والعبارات الغريبة التي لم يعد لها اليوم علاقة بما أسميناه "واقعاً" وتلك الكلمات والعبارات تعبّر قطعاً عن رمزية معينة قد تستدعي، ربما، بعض التوقف أمام

 

7

رمزية القلب

حيث، كما رأينا، فإن أول ما يواجه المنتقل بنفسه إلى الآخرة، في حضرة الألوهة، بحسب قدماء المصريين، ميزان قلبه ونسترجع هنا نصاً مقتطفاً أوردناه في مطلع بحثنا يقول على لسان "رب العالمين" أن " خلقت كل إنسان مساوياً لأخيه، ولم أسمح بالشر، لكن قلوب البشر خالفت إرادتي. وكان هذا ثالث أعمالي. فجعلت قلوبهم لا تفكر بالغرب، وجعلتهم يقدّمون ابت